العالم بدأ يهتز في النظام المالي العالمي. وفقًا لتقرير سنوي صدر عن إنكرمنتوم بعنوان “In Gold We Trust” لعام 2025، مع تقدم عملية إعادة بناء النظام النقدي والمالي العالمي، من المحتمل أن ترتفع أسعار الذهب إلى مستويات تتجاوز المفهوم التقليدي بشكل كبير. يشير التقرير إلى أن أسعار الذهب قد تصل إلى حوالي 8,900 دولار بنهاية عام 2030 في سيناريو التضخم، ويعتمد هذا التوقع على تراجع الهيمنة الدولار الأمريكي والتحول إلى نظام مالي جديد.
لماذا تدهور هيمنة الدولار ضروري لارتفاع أسعار الذهب
كان الدولار في السابق يحتل مكانة مطلقة كعملة احتياطية عالمية. لكن خلال العقد الماضي، تغيرت الصورة بشكل كبير. تدهور الصناعة الأمريكية، والعجز المالي غير المسيطر عليه، وظهور البيتكوين كأصل ائتماني غير دولتي، كلها عوامل أدت إلى تراجع الثقة في الدولار بسرعة.
حزب ترامب يعتقد أن ارتفاع الدولار يسبب تدهور الاقتصاد الأمريكي، ويخطط لخفض كبير في سعر صرف الدولار. في الوقت نفسه، تحاول السياسات الجمركية الجديدة (التي ستصل إلى متوسط حوالي 30% بحلول أبريل 2025) حماية الصناعة الأمريكية، لكن هذه السياسات قد تؤدي إلى ضغوط انكماشية، مما يدفع إلى التيسير النقدي من قبل السلطات المالية.
هذه الضغوط على الدولار وإعادة هيكلة النظام المالي تؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار الذهب. الذهب لا يحمل مخاطر الطرف المقابل، ويُعتبر عملة “محايدة” لا تنتمي لأي دولة، وتكتسب قيمة جديدة في نظام عالمي متعدد الأقطاب. وفقًا لدراسة من رابطة المعادن الثمينة في لندن (LBMA)، سيولة الذهب تتجاوز حتى سندات الحكومة.
الذهب الآن في “مرحلة دخول المستثمرين العاديين”
وفقًا لنظرية داو، السوق الصاعد يمر بثلاث مراحل: مرحلة التجميع، ومرحلة دخول المستثمرين العاديين، ومرحلة الهوس. وفقًا لتحليل إنكرمنتوم، فإن سوق الذهب الحالية تقع تمامًا في المرحلة الثانية، وهي “مرحلة دخول المستثمرين العاديين”.
السمات النموذجية لهذه المرحلة واضحة. تتزايد تقارير وسائل الإعلام تفاؤلاً، وتُطرح منتجات مالية جديدة باستمرار، ويبدأ المحللون في رفع أهداف الأسعار. خلال الخمس سنوات الماضية، ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 92%، بينما تدهورت القوة الشرائية الحقيقية للدولار بنسبة تقارب 50%. بحلول نهاية أبريل 2025، سجل الذهب ارتفاعات قياسية في سعره بالدولار 22 مرة (مقابل 43 مرة في العام السابق).
الأهم هو أن هذا الارتفاع لا يزال غير حاسم. في عام 1979، تم تسجيل 57 مرة ارتفاعات قياسية، وبالمقارنة مع السوق الصاعد التاريخي في عام 1980، فإن الارتفاع الحالي لا يزال بطيئًا نسبيًا. بمعنى آخر، لا تزال هناك مساحة كبيرة لارتفاع أسعار الذهب.
من الناحية الفنية، يتجاوز الذهب مستوى السعر المطلق، ويحقق أيضًا اختراقات جديدة على مستوى المقارنة مع الأسهم (S&P 500). هذا يدل على أن تفوق الذهب على الأصول التقليدية قد تم تثبيته.
لماذا تشتري البنوك المركزية أكثر من 1000 طن على مدى 3 سنوات متتالية
أقوى دعامة تدعم السوق الصاعد للذهب هي الطلب القوي من البنوك المركزية. وفقًا لمجلس الذهب العالمي (WGC)، استمرت البنوك المركزية في شراء الذهب بشكل صافٍ منذ 2009، وتزايد هذا الاتجاه بشكل كبير بعد تجميد احتياطيات روسيا من العملات الأجنبية في فبراير 2022.
على مدى السنوات الثلاث الماضية، زادت البنوك المركزية من احتياطياتها من الذهب بأكثر من 1000 طن سنويًا. والأهم أن معظم هذه المشتريات تأتي من البنوك المركزية الآسيوية، حيث أصبحت بولندا أكبر مشترٍ في عام 2024. تتوقع جولدمان ساكس أن تواصل الصين شراء حوالي 40 طنًا من الذهب شهريًا، مما يعادل طلبًا سنويًا يقارب 500 طن.
بحلول فبراير 2025، بلغ إجمالي احتياطيات الذهب العالمية 36,252 طنًا. خلال العشرين عامًا الماضية، ارتفعت نسبة الذهب في الاحتياطيات الأجنبية من 9% إلى 22%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1997. ومع ذلك، لا تزال أقل من الذروة التاريخية في عام 1980 التي تجاوزت 70%، مما يشير إلى إمكانية ارتفاع أكبر.
ومن المثير للاهتمام أن احتياطيات الذهب الرسمية في الصين تمثل فقط حوالي 6.5% من إجمالي الاحتياطيات. بالمقابل، تمتلك الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا أكثر من 70% من احتياطياتها من الذهب. من ناحية أخرى، زادت روسيا من نسبة الذهب في احتياطياتها من 8% إلى 34% بين 2014 و2025، مما يعكس التغيرات الجيوسياسية.
توسع العملة القانونية وضغوط التضخم: “السعر الظلي للذهب” يكشف الواقع
يعد توسع عرض النقود غير المحدود هو الدافع الرئيسي على المدى الطويل لأسعار الذهب. منذ عام 1900، زاد عدد سكان الولايات المتحدة بمقدار 4.5 مرة، بينما زاد عرض M2 النقدي بمقدار 2,333 مرة، وهو أكثر من 500 ضعف على مستوى الفرد. يقارن التقرير هذا الوضع بـ"تضخيم عضلي لرياضي يتلقى جرعة ستيرويد"، حيث أن المظهر الخارجي رائع، لكن الأساس الاقتصادي هش بشكل هيكلي.
في دول مجموعة العشرين، سجل عرض النقود M2 معدل نمو سنوي متوسط قدره 7.4%. بعد ثلاث سنوات من الانكماش، بدأ العرض في الارتفاع مرة أخرى، مما قد يكون محفزًا جديدًا لسوق صاعد كبير.
مؤشر مثير للاهتمام هو “السعر الظلي للذهب” (SGP)، وهو السعر النظري للذهب إذا كان عرض النقود الأساسي مدعومًا بالكامل بالذهب. بناءً على البيانات الحالية، يُقدر أن:
إذا كان عرض M0 في الولايات المتحدة مدعومًا بالكامل بالذهب: 21,416 دولار
إذا كان عرض M2 في الولايات المتحدة مدعومًا بالكامل بالذهب: 82,223 دولار
على الصعيد الدولي، مع نسبة تعويض 25% لـ M0: 5,100 دولار، و40%: 8,160 دولار
حاليًا، نسبة الذهب في قاعدة العملة الأمريكية لا تتجاوز 14.5%، والباقي 85.5% هو “هواء”. خلال السوق الصاعد في العقد الماضي، ارتفعت هذه النسبة من 10.8% إلى 29.7%. لتحقيق نفس النسبة، يجب أن يتجاوز سعر الذهب 6,000 دولار.
محفظة 60/40 الجديدة: تحول كبير في توزيع الأصول
تؤكد التقارير أن نموذج توزيع الأصول التقليدي 60% أسهم و40% سندات لم يعد مناسبًا. مع فقدان الثقة في السندات وتغير بيئة السوق، يقترح التقرير توزيعًا جديدًا يتضمن:
الأسهم: 45%
السندات: 15%
الذهب كأصل آمن: 15%
الذهب للأداء (الفضة، أسهم التعدين، وغيرها): 10%
السلع: 10%
البيتكوين: 5%
الأمر المهم هو تقسيم الذهب إلى فئتين: الأولى “ذهب كأصل آمن” لتعزيز حماية المحفظة، والثانية “ذهب للأداء” وهو الأصول التي يتوقع أن تحقق ارتفاعات كبيرة في القيمة خلال السنوات القادمة، مثل الفضة وأسهم التعدين والسلع.
تاريخيًا، تتبع الفضة وأسهم التعدين عادةً الذهب في الارتفاع، حيث يقود الذهب السوق، ثم تتبعها الأصول الأخرى بشكل سباق.
توقعات أسعار الذهب: السيناريو الأساسي وسيناريو التضخم
استنادًا إلى نموذج إنكرمنتوم لعام 2020، يُعرض عدة سيناريوهات لتوقعات أسعار الذهب:
السيناريو الأساسي يتوقع أن تصل أسعار الذهب إلى حوالي 4,800 دولار بنهاية عام 2030، مع هدف متوسط (نهاية 2025) عند 2,942 دولار.
سيناريو التضخم يتبنى نظرة أكثر تفاؤلاً، ويتوقع أن تصل الأسعار إلى حوالي 8,900 دولار بنهاية 2030، مع هدف متوسط (نهاية 2025) عند 4,080 دولار.
حاليًا، تجاوز سعر الذهب هدف منتصف المدة في السيناريو الأساسي لعام 2025 البالغ 2,942 دولار، مما يشير إلى أن المسار نحو سيناريو التضخم ممكن. في النهاية، يعتمد سعر الذهب خلال السنوات الخمس القادمة على معدل التضخم، ومن المتوقع أن يكون سعره بين السيناريوهين في نهاية المطاف.
في بيئة التضخم في السبعينيات والثمانينيات، سجل الذهب متوسط عائد سنوي قدره 32.8%، والفضة 33.1%، وأسهم التعدين 21.2%. إذا طبقنا نفس البيئة على الوقت الحالي، فإن النمو الحقيقي السنوي المركب للذهب يُقدر بحوالي 7.7%، وللفضة حوالي 28.6%.
العلاقة التعاونية بين البيتكوين والذهب: من المنافسة إلى التعاون
على الرغم من أن ظهور البيتكوين قد يُنظر إليه كمنافس للذهب، إلا أن التقرير يوضح أن العلاقة بينهما تكاملية. البيتكوين كعملة مشفرة لامركزية، مستقلة عن السيطرة الحكومية، وتسمح بالمعاملات عبر الحدود. إصدار قانون البيتكوين الاستراتيجي في الولايات المتحدة ودخول الدولة في حرب الذهب الرقمية يعزز هذا الاتجاه.
بحلول نهاية أبريل 2025، بلغت قيمة السوق للذهب المستخرج حوالي 23 تريليون دولار (217,465 طن)، بينما بلغت قيمة سوق البيتكوين حوالي 1.9 تريليون دولار، وهو ما يعادل حوالي 8% من قيمة الذهب.
وفقًا للتقرير، من الممكن أن تصل قيمة البيتكوين إلى 50% من القيمة السوقية للذهب بحلول نهاية 2030. إذا افترضنا سيناريو سعر معتدل للذهب (حوالي 4,800 دولار)، فإن البيتكوين يحتاج إلى أن يصل سعره إلى حوالي 900,000 دولار لكل بيتكوين لتحقيق هذا الهدف.
وفقًا لمبدأ “المنافسة تحفز الأعمال”، فإن محفظة تجمع بين الذهب والبيتكوين قد تحقق عائدًا معدلًا بعد المخاطر أعلى من حيازتهما بشكل منفرد. الذهب يوفر “الاستقرار”، والبيتكوين يضيف “المرونة (منافع تقلبات السعر)”، وهما مبرران لاستمرار التعايش بينهما.
مخاطر التصحيح القصير الأمد والنظرة طويلة الأمد
على الرغم من أن الاتجاه الصاعد طويل الأمد ثابت، يعترف التقرير بوجود احتمالية لتصحيح قصير الأمد. خاصة أن العوامل التالية قد تعيق السوق الصاعد مؤقتًا:
انخفاض الطلب من البنوك المركزية هو أكبر عامل مخاطرة. إذا انخفض معدل الشراء الربعي الحالي البالغ 250 طن بشكل غير متوقع، فقد ينهار الطلب الهيكلي.
تقليل مراكز المضاربين أيضًا عنصر مهم. البيع الواسع بعد 4 أبريل 2025 (يوم تحرير العبيد) أظهر مدى سرعة المضاربين في تقليل مراكزهم.
انخفاض علاوة المخاطر الجيوسياسية هو أيضًا مصدر قلق. التفاهمات بشأن الحرب في أوكرانيا، وتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، وانتهاء الحرب التجارية في أمريكا الوسطى بشكل مبكر، ستقلل بشكل كبير من علاوة المخاطر الجيوسياسية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك عوامل أخرى مثل قوة الاقتصاد الأمريكي بشكل غير متوقع (مما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تغيير سياسته التشددية)، والمخاطر التقنية والعاطفية المرتفعة (مثل مراكز مفرطة)، وارتداد سعر الدولار على المدى القصير.
يتوقع التقرير أن البيئة السوقية قصيرة الأمد قد تتسم بالتوتر، مع احتمال أن ينخفض سعر الذهب إلى حوالي 2,800 دولار مؤقتًا، أو أن يتجه إلى نطاق جانبي. ومع ذلك، فإن هذا التصحيح هو جزء من عملية استقرار السوق الصاعد، ولا يهدد الاتجاه التصاعدي طويل الأمد للذهب.
الموقع الاستراتيجي للذهب في عصر إعادة الهيكلة المالية
يشير التقرير إلى أن سعر الذهب الحالي ليس مجرد استجابة للأزمة، بل هو أيضًا إشارة إلى “لحظة تاريخية” (Golden Swan Moment) قد تكون بداية تحول كبير. مع تسارع إعادة بناء النظام المالي والنقدي العالمي، تتلاشى الثقة في الأصول الآمنة التقليدية، ويبدأ الذهب في استعادة مكانته كـ"أصل دفع عالمي فوق وطني".
كما يستشهد بمقال زولتان بوزار حول “بريتون وودز III”، حيث يوضح أن العالم يتجه من نظام بريتون وودز المدعوم بالذهب، إلى نظام جديد مدعوم بالذهب والسلع الأخرى، بعد أن مر عبر نظام بريتون وودز I وII المدعومين بالذهب والاحتياطيات بالدولار.
للذهب ثلاث مزايا رئيسية كمرساة لنظام مالي دولي جديد: أولاً، هو محايد، ولا ينتمي لأي دولة أو قوة سياسية، مما يجعله عنصرًا موحدًا متعدد الأقطاب. ثانيًا، لا يحمل مخاطر الطرف المقابل، ويمكن للدول تخزين الذهب داخليًا لمواجهة المصادرة أو العقوبات بشكل أسهل. ثالثًا، وفقًا لدراسة عام 2024، فإن متوسط حجم التداول اليومي للذهب يتجاوز 229 مليار دولار، وتفوق سيولته على العديد من سندات الدول المتقدمة.
كما أن التحول الكبير في السياسة المالية في أوروبا، خاصة مع مرشح المستشارية الألماني فريدريش ميرتس، الذي يقترح استثناء الإنفاق العسكري الذي يزيد عن 1% من الناتج المحلي الإجمالي من قيود الديون، وإنشاء برنامج تمويل ديون بقيمة 500 مليار يورو، يعكس تغيرات جذرية في السياسات المالية. من المتوقع أن تزيد ديون ألمانيا من 60% إلى 90% من الناتج المحلي الإجمالي، ويُعد تخلي الحزب المسيحي الديمقراطي (CDU) عن الحذر المالي علامة رمزية على ذلك. بعد هذا الإعلان، سجل سندات ألمانيا تقلبات كبيرة بعد 35 عامًا.
وفي النهاية، فإن ارتفاع أسعار الذهب هو انعكاس مباشر لفقدان الثقة في الدولار والأصول الآمنة التقليدية. مع استمرار فقدان الثقة في سندات الخزانة الأمريكية والألمانية، يستعيد الذهب مكانته كـ"أصل دفع مستقل، محايد، وخالٍ من الديون، ويعتمد على الثقة والتبادل". في بيئة تتسم بتعدد الأقطاب، وتوسع عرض النقود بسرعة، وشتاء شراء الذهب التاريخي من قبل البنوك المركزية، فإن ارتفاع أسعار الذهب بشكل أكبر ليس مستحيلًا، بل هو سيناريو حتمي.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
هل ستصل أسعار الذهب إلى 8,900 دولار في عصر تراجع الدولار؟ سيناريو إعادة هيكلة التمويل لعام 2030 كما يوضح تقرير النمو السنوي
العالم بدأ يهتز في النظام المالي العالمي. وفقًا لتقرير سنوي صدر عن إنكرمنتوم بعنوان “In Gold We Trust” لعام 2025، مع تقدم عملية إعادة بناء النظام النقدي والمالي العالمي، من المحتمل أن ترتفع أسعار الذهب إلى مستويات تتجاوز المفهوم التقليدي بشكل كبير. يشير التقرير إلى أن أسعار الذهب قد تصل إلى حوالي 8,900 دولار بنهاية عام 2030 في سيناريو التضخم، ويعتمد هذا التوقع على تراجع الهيمنة الدولار الأمريكي والتحول إلى نظام مالي جديد.
لماذا تدهور هيمنة الدولار ضروري لارتفاع أسعار الذهب
كان الدولار في السابق يحتل مكانة مطلقة كعملة احتياطية عالمية. لكن خلال العقد الماضي، تغيرت الصورة بشكل كبير. تدهور الصناعة الأمريكية، والعجز المالي غير المسيطر عليه، وظهور البيتكوين كأصل ائتماني غير دولتي، كلها عوامل أدت إلى تراجع الثقة في الدولار بسرعة.
حزب ترامب يعتقد أن ارتفاع الدولار يسبب تدهور الاقتصاد الأمريكي، ويخطط لخفض كبير في سعر صرف الدولار. في الوقت نفسه، تحاول السياسات الجمركية الجديدة (التي ستصل إلى متوسط حوالي 30% بحلول أبريل 2025) حماية الصناعة الأمريكية، لكن هذه السياسات قد تؤدي إلى ضغوط انكماشية، مما يدفع إلى التيسير النقدي من قبل السلطات المالية.
هذه الضغوط على الدولار وإعادة هيكلة النظام المالي تؤدي مباشرة إلى ارتفاع أسعار الذهب. الذهب لا يحمل مخاطر الطرف المقابل، ويُعتبر عملة “محايدة” لا تنتمي لأي دولة، وتكتسب قيمة جديدة في نظام عالمي متعدد الأقطاب. وفقًا لدراسة من رابطة المعادن الثمينة في لندن (LBMA)، سيولة الذهب تتجاوز حتى سندات الحكومة.
الذهب الآن في “مرحلة دخول المستثمرين العاديين”
وفقًا لنظرية داو، السوق الصاعد يمر بثلاث مراحل: مرحلة التجميع، ومرحلة دخول المستثمرين العاديين، ومرحلة الهوس. وفقًا لتحليل إنكرمنتوم، فإن سوق الذهب الحالية تقع تمامًا في المرحلة الثانية، وهي “مرحلة دخول المستثمرين العاديين”.
السمات النموذجية لهذه المرحلة واضحة. تتزايد تقارير وسائل الإعلام تفاؤلاً، وتُطرح منتجات مالية جديدة باستمرار، ويبدأ المحللون في رفع أهداف الأسعار. خلال الخمس سنوات الماضية، ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 92%، بينما تدهورت القوة الشرائية الحقيقية للدولار بنسبة تقارب 50%. بحلول نهاية أبريل 2025، سجل الذهب ارتفاعات قياسية في سعره بالدولار 22 مرة (مقابل 43 مرة في العام السابق).
الأهم هو أن هذا الارتفاع لا يزال غير حاسم. في عام 1979، تم تسجيل 57 مرة ارتفاعات قياسية، وبالمقارنة مع السوق الصاعد التاريخي في عام 1980، فإن الارتفاع الحالي لا يزال بطيئًا نسبيًا. بمعنى آخر، لا تزال هناك مساحة كبيرة لارتفاع أسعار الذهب.
من الناحية الفنية، يتجاوز الذهب مستوى السعر المطلق، ويحقق أيضًا اختراقات جديدة على مستوى المقارنة مع الأسهم (S&P 500). هذا يدل على أن تفوق الذهب على الأصول التقليدية قد تم تثبيته.
لماذا تشتري البنوك المركزية أكثر من 1000 طن على مدى 3 سنوات متتالية
أقوى دعامة تدعم السوق الصاعد للذهب هي الطلب القوي من البنوك المركزية. وفقًا لمجلس الذهب العالمي (WGC)، استمرت البنوك المركزية في شراء الذهب بشكل صافٍ منذ 2009، وتزايد هذا الاتجاه بشكل كبير بعد تجميد احتياطيات روسيا من العملات الأجنبية في فبراير 2022.
على مدى السنوات الثلاث الماضية، زادت البنوك المركزية من احتياطياتها من الذهب بأكثر من 1000 طن سنويًا. والأهم أن معظم هذه المشتريات تأتي من البنوك المركزية الآسيوية، حيث أصبحت بولندا أكبر مشترٍ في عام 2024. تتوقع جولدمان ساكس أن تواصل الصين شراء حوالي 40 طنًا من الذهب شهريًا، مما يعادل طلبًا سنويًا يقارب 500 طن.
بحلول فبراير 2025، بلغ إجمالي احتياطيات الذهب العالمية 36,252 طنًا. خلال العشرين عامًا الماضية، ارتفعت نسبة الذهب في الاحتياطيات الأجنبية من 9% إلى 22%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1997. ومع ذلك، لا تزال أقل من الذروة التاريخية في عام 1980 التي تجاوزت 70%، مما يشير إلى إمكانية ارتفاع أكبر.
ومن المثير للاهتمام أن احتياطيات الذهب الرسمية في الصين تمثل فقط حوالي 6.5% من إجمالي الاحتياطيات. بالمقابل، تمتلك الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا أكثر من 70% من احتياطياتها من الذهب. من ناحية أخرى، زادت روسيا من نسبة الذهب في احتياطياتها من 8% إلى 34% بين 2014 و2025، مما يعكس التغيرات الجيوسياسية.
توسع العملة القانونية وضغوط التضخم: “السعر الظلي للذهب” يكشف الواقع
يعد توسع عرض النقود غير المحدود هو الدافع الرئيسي على المدى الطويل لأسعار الذهب. منذ عام 1900، زاد عدد سكان الولايات المتحدة بمقدار 4.5 مرة، بينما زاد عرض M2 النقدي بمقدار 2,333 مرة، وهو أكثر من 500 ضعف على مستوى الفرد. يقارن التقرير هذا الوضع بـ"تضخيم عضلي لرياضي يتلقى جرعة ستيرويد"، حيث أن المظهر الخارجي رائع، لكن الأساس الاقتصادي هش بشكل هيكلي.
في دول مجموعة العشرين، سجل عرض النقود M2 معدل نمو سنوي متوسط قدره 7.4%. بعد ثلاث سنوات من الانكماش، بدأ العرض في الارتفاع مرة أخرى، مما قد يكون محفزًا جديدًا لسوق صاعد كبير.
مؤشر مثير للاهتمام هو “السعر الظلي للذهب” (SGP)، وهو السعر النظري للذهب إذا كان عرض النقود الأساسي مدعومًا بالكامل بالذهب. بناءً على البيانات الحالية، يُقدر أن:
حاليًا، نسبة الذهب في قاعدة العملة الأمريكية لا تتجاوز 14.5%، والباقي 85.5% هو “هواء”. خلال السوق الصاعد في العقد الماضي، ارتفعت هذه النسبة من 10.8% إلى 29.7%. لتحقيق نفس النسبة، يجب أن يتجاوز سعر الذهب 6,000 دولار.
محفظة 60/40 الجديدة: تحول كبير في توزيع الأصول
تؤكد التقارير أن نموذج توزيع الأصول التقليدي 60% أسهم و40% سندات لم يعد مناسبًا. مع فقدان الثقة في السندات وتغير بيئة السوق، يقترح التقرير توزيعًا جديدًا يتضمن:
الأمر المهم هو تقسيم الذهب إلى فئتين: الأولى “ذهب كأصل آمن” لتعزيز حماية المحفظة، والثانية “ذهب للأداء” وهو الأصول التي يتوقع أن تحقق ارتفاعات كبيرة في القيمة خلال السنوات القادمة، مثل الفضة وأسهم التعدين والسلع.
تاريخيًا، تتبع الفضة وأسهم التعدين عادةً الذهب في الارتفاع، حيث يقود الذهب السوق، ثم تتبعها الأصول الأخرى بشكل سباق.
توقعات أسعار الذهب: السيناريو الأساسي وسيناريو التضخم
استنادًا إلى نموذج إنكرمنتوم لعام 2020، يُعرض عدة سيناريوهات لتوقعات أسعار الذهب:
السيناريو الأساسي يتوقع أن تصل أسعار الذهب إلى حوالي 4,800 دولار بنهاية عام 2030، مع هدف متوسط (نهاية 2025) عند 2,942 دولار.
سيناريو التضخم يتبنى نظرة أكثر تفاؤلاً، ويتوقع أن تصل الأسعار إلى حوالي 8,900 دولار بنهاية 2030، مع هدف متوسط (نهاية 2025) عند 4,080 دولار.
حاليًا، تجاوز سعر الذهب هدف منتصف المدة في السيناريو الأساسي لعام 2025 البالغ 2,942 دولار، مما يشير إلى أن المسار نحو سيناريو التضخم ممكن. في النهاية، يعتمد سعر الذهب خلال السنوات الخمس القادمة على معدل التضخم، ومن المتوقع أن يكون سعره بين السيناريوهين في نهاية المطاف.
في بيئة التضخم في السبعينيات والثمانينيات، سجل الذهب متوسط عائد سنوي قدره 32.8%، والفضة 33.1%، وأسهم التعدين 21.2%. إذا طبقنا نفس البيئة على الوقت الحالي، فإن النمو الحقيقي السنوي المركب للذهب يُقدر بحوالي 7.7%، وللفضة حوالي 28.6%.
العلاقة التعاونية بين البيتكوين والذهب: من المنافسة إلى التعاون
على الرغم من أن ظهور البيتكوين قد يُنظر إليه كمنافس للذهب، إلا أن التقرير يوضح أن العلاقة بينهما تكاملية. البيتكوين كعملة مشفرة لامركزية، مستقلة عن السيطرة الحكومية، وتسمح بالمعاملات عبر الحدود. إصدار قانون البيتكوين الاستراتيجي في الولايات المتحدة ودخول الدولة في حرب الذهب الرقمية يعزز هذا الاتجاه.
بحلول نهاية أبريل 2025، بلغت قيمة السوق للذهب المستخرج حوالي 23 تريليون دولار (217,465 طن)، بينما بلغت قيمة سوق البيتكوين حوالي 1.9 تريليون دولار، وهو ما يعادل حوالي 8% من قيمة الذهب.
وفقًا للتقرير، من الممكن أن تصل قيمة البيتكوين إلى 50% من القيمة السوقية للذهب بحلول نهاية 2030. إذا افترضنا سيناريو سعر معتدل للذهب (حوالي 4,800 دولار)، فإن البيتكوين يحتاج إلى أن يصل سعره إلى حوالي 900,000 دولار لكل بيتكوين لتحقيق هذا الهدف.
وفقًا لمبدأ “المنافسة تحفز الأعمال”، فإن محفظة تجمع بين الذهب والبيتكوين قد تحقق عائدًا معدلًا بعد المخاطر أعلى من حيازتهما بشكل منفرد. الذهب يوفر “الاستقرار”، والبيتكوين يضيف “المرونة (منافع تقلبات السعر)”، وهما مبرران لاستمرار التعايش بينهما.
مخاطر التصحيح القصير الأمد والنظرة طويلة الأمد
على الرغم من أن الاتجاه الصاعد طويل الأمد ثابت، يعترف التقرير بوجود احتمالية لتصحيح قصير الأمد. خاصة أن العوامل التالية قد تعيق السوق الصاعد مؤقتًا:
انخفاض الطلب من البنوك المركزية هو أكبر عامل مخاطرة. إذا انخفض معدل الشراء الربعي الحالي البالغ 250 طن بشكل غير متوقع، فقد ينهار الطلب الهيكلي.
تقليل مراكز المضاربين أيضًا عنصر مهم. البيع الواسع بعد 4 أبريل 2025 (يوم تحرير العبيد) أظهر مدى سرعة المضاربين في تقليل مراكزهم.
انخفاض علاوة المخاطر الجيوسياسية هو أيضًا مصدر قلق. التفاهمات بشأن الحرب في أوكرانيا، وتهدئة التوترات في الشرق الأوسط، وانتهاء الحرب التجارية في أمريكا الوسطى بشكل مبكر، ستقلل بشكل كبير من علاوة المخاطر الجيوسياسية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك عوامل أخرى مثل قوة الاقتصاد الأمريكي بشكل غير متوقع (مما قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تغيير سياسته التشددية)، والمخاطر التقنية والعاطفية المرتفعة (مثل مراكز مفرطة)، وارتداد سعر الدولار على المدى القصير.
يتوقع التقرير أن البيئة السوقية قصيرة الأمد قد تتسم بالتوتر، مع احتمال أن ينخفض سعر الذهب إلى حوالي 2,800 دولار مؤقتًا، أو أن يتجه إلى نطاق جانبي. ومع ذلك، فإن هذا التصحيح هو جزء من عملية استقرار السوق الصاعد، ولا يهدد الاتجاه التصاعدي طويل الأمد للذهب.
الموقع الاستراتيجي للذهب في عصر إعادة الهيكلة المالية
يشير التقرير إلى أن سعر الذهب الحالي ليس مجرد استجابة للأزمة، بل هو أيضًا إشارة إلى “لحظة تاريخية” (Golden Swan Moment) قد تكون بداية تحول كبير. مع تسارع إعادة بناء النظام المالي والنقدي العالمي، تتلاشى الثقة في الأصول الآمنة التقليدية، ويبدأ الذهب في استعادة مكانته كـ"أصل دفع عالمي فوق وطني".
كما يستشهد بمقال زولتان بوزار حول “بريتون وودز III”، حيث يوضح أن العالم يتجه من نظام بريتون وودز المدعوم بالذهب، إلى نظام جديد مدعوم بالذهب والسلع الأخرى، بعد أن مر عبر نظام بريتون وودز I وII المدعومين بالذهب والاحتياطيات بالدولار.
للذهب ثلاث مزايا رئيسية كمرساة لنظام مالي دولي جديد: أولاً، هو محايد، ولا ينتمي لأي دولة أو قوة سياسية، مما يجعله عنصرًا موحدًا متعدد الأقطاب. ثانيًا، لا يحمل مخاطر الطرف المقابل، ويمكن للدول تخزين الذهب داخليًا لمواجهة المصادرة أو العقوبات بشكل أسهل. ثالثًا، وفقًا لدراسة عام 2024، فإن متوسط حجم التداول اليومي للذهب يتجاوز 229 مليار دولار، وتفوق سيولته على العديد من سندات الدول المتقدمة.
كما أن التحول الكبير في السياسة المالية في أوروبا، خاصة مع مرشح المستشارية الألماني فريدريش ميرتس، الذي يقترح استثناء الإنفاق العسكري الذي يزيد عن 1% من الناتج المحلي الإجمالي من قيود الديون، وإنشاء برنامج تمويل ديون بقيمة 500 مليار يورو، يعكس تغيرات جذرية في السياسات المالية. من المتوقع أن تزيد ديون ألمانيا من 60% إلى 90% من الناتج المحلي الإجمالي، ويُعد تخلي الحزب المسيحي الديمقراطي (CDU) عن الحذر المالي علامة رمزية على ذلك. بعد هذا الإعلان، سجل سندات ألمانيا تقلبات كبيرة بعد 35 عامًا.
وفي النهاية، فإن ارتفاع أسعار الذهب هو انعكاس مباشر لفقدان الثقة في الدولار والأصول الآمنة التقليدية. مع استمرار فقدان الثقة في سندات الخزانة الأمريكية والألمانية، يستعيد الذهب مكانته كـ"أصل دفع مستقل، محايد، وخالٍ من الديون، ويعتمد على الثقة والتبادل". في بيئة تتسم بتعدد الأقطاب، وتوسع عرض النقود بسرعة، وشتاء شراء الذهب التاريخي من قبل البنوك المركزية، فإن ارتفاع أسعار الذهب بشكل أكبر ليس مستحيلًا، بل هو سيناريو حتمي.