حرب ثلاثية الخطوط في عهد ترامب الجديد: كيف أصبحت سوريا ساحة تجريب جيوسياسية

robot
إنشاء الملخص قيد التقدم

مرّ شهران على عام 2026، وبدأت خريطة السياسة العالمية تتعرض لاضطرابات عنيفة. من هجوم منتصف الليل في كراكاس إلى تبديل السلطة في دمشق، ومن دوي الانفجارات فوق طهران، فإن الولايات المتحدة تكتب من جديد النظام الدولي بسرعة غير مسبوقة. ويُعد تحول دور سوريا من دولة معزولة إلى قطعة استراتيجية رئيسية في إعادة تشكيل الشرق الأوسط من قبل واشنطن من أبرز التطورات. هذه العملية التي تمتد عبر ثلاث قارات ليست حربًا تقليدية، بل هي عملية عالمية مركبة تتضمن نهب الموارد + تبديل السلطة + السيطرة على الطرق البحرية.

معركة النفط في نصف الكرة الغربي: من فنزويلا تبدأ

في فجر 3 يناير 2026، سمعت أصوات انفجارات في سماء كراكاس. نفذت قوات العمليات الخاصة الأمريكية في تلك الليلة عملية انتقال سلطة من نوع القرن الواحد والعشرين — حيث سيطرت مباشرة على الرئيس الفنزويلي مادورو وأخذته. لم تكن مجرد تغيير في الحكم، بل كانت عملية نهب موارد صريحة وواضحة.

وفي خطابها أمام الكونغرس لاحقًا، أعلنت دون خجل أن الولايات المتحدة حصلت على أكثر من 80 مليون برميل من النفط من فنزويلا. والأكثر إثارة للدهشة أن وزير الطاقة الأمريكي كريس وريت أعلن علنًا أن شركات أمريكية مثل شيفرون وعدت باستثمار مئات الملايين من الدولارات لإعادة تأهيل حقول النفط الفنزويلية. ووصف الرئيس الحالي ديلسي رودريغيز بأنها “تعتمد تمامًا على ضخ الدم الاقتصادي من واشنطن”.

طموحات واشنطن لا تقتصر على النفط فقط. فقد صرح وزير الداخلية بيرجيم بصراحة أن الخطوة التالية ستستهدف 60 نوعًا من المعادن الحيوية في فنزويلا. على الرغم من أن كراكاس لا تزال تحتفظ بحكم ذاتي شكلي، إلا أن عصب اقتصادها أصبح تحت السيطرة الكاملة. لم يعد الأمر مجرد عقوبات وردود فعل عليها، بل هو وصاية مباشرة على موارد الدولة.

التحول السريع في سوريا: من هدف للعقوبات إلى قطعة استراتيجية

بينما كانت القوات الأمريكية تتدخل في كراكاس، كانت سوريا تمر بتغيرات عميقة ومختلفة. بالمقارنة مع الضربات العسكرية على فنزويلا، فإن تحول سوريا يظهر مرونة استراتيجية أكبر من واشنطن — وسائل دبلوماسية + حوافز اقتصادية + إعادة تموضع استراتيجية.

في يونيو 2025، وقع ترامب مرسومًا رئاسيًا يلغى العقوبات المفروضة على سوريا بشكل كامل، ويوقف تطبيق قانون قيصر الذي استمر لفترة طويلة، وتبعه الاتحاد الأوروبي بسرعة. بدا أن هذا التحول نابع من اعتبارات إنسانية، لكنه في الواقع يحمل حسابات جيوسياسية واضحة.

وكشف تحليل مؤسسة الدراسات البرلمانية البريطانية عن النوايا الحقيقية. فالقائمة التي تطلبها واشنطن من النظام السوري الجديد تشبه عقدًا تجاريًا: الانضمام إلى اتفاق إبراهيم، وطرد الجماعات الإسلامية المتطرفة، والتعاون مع الولايات المتحدة لمنع عودة الجماعات المسلحة المتطرفة. وهكذا، تحولت سوريا بسرعة من “يتيم دولي” إلى “هدف استثماري”، وأصبحت نقطة استراتيجية في تفكيك “قوس المقاومة” الإيراني.

تُعد عملية انتقال السلطة في دمشق علامة على إعادة ترتيب المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. وبدأت واشنطن تتخذ إجراءات أكثر تصعيدًا — مثل الضغط على المحكمة الفيدرالية لإنهاء وضع الحماية المؤقتة لنحو 6000 سوري، بحجة أن “الوضع في سوريا مستقر ويجب على اللاجئين العودة لبناء وطنهم”. هذا الإجراء الذي يدمج بين رفع العقوبات والترحيل القسري يكشف بشكل كامل عن منطق التبادل في واشنطن.

انهيار الخطوط الدفاعية لإيران: معركة عسكرية على مدى 40 عامًا

إذا كانت فنزويلا تمثل نهب الموارد، وكانت سوريا تظهر مرونة في استراتيجيات التبادل، فإن إيران تمثل الحساب العسكري النهائي.

في 28 فبراير 2026، أطلقت إسرائيل والولايات المتحدة معًا عملية “أسد الله”. لم تكن تكرارًا لعملية “مطرقة منتصف الليل” في يونيو العام السابق — حين قصفت القوات الأمريكية منشآت نووية فقط، أما هذه المرة فكان الهدف هو شل النظام القيادي الإيراني بشكل كامل. وفقًا لتقارير وكالة الأنباء المركزية، أسفرت هذه الضربة عن مقتل أكثر من 200 شخص، بينهم 150 طفلًا في مدرسة.

والعلامة الأبرز أن المرشد الأعلى الإيراني خامنئي قُتل خلال هذه الغارة. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بحذر أن “علامات متزايدة تشير إلى أنه توفي”، بينما أعلن ترامب مباشرة أن “خامنئي قد مات”. وردًا على ذلك، اتخذت إيران خطوة أخيرة بالرد — حيث أعلنت إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر عبور لنحو 20% من النفط العالمي.

ارتفعت أسعار النفط العالمية بشكل فوري، وواجهت سلاسل التوريد العالمية صدمة جديدة. ماذا يعني إغلاق المضيق؟ يعني ارتفاع تكاليف الطاقة، وزيادة الضغوط التضخمية، وتغير مسارات التجارة العالمية. والأكثر تضررًا هم الدول الأوروبية والآسيوية التي تعتمد على موارد الشرق الأوسط.

الحساب البارد وراء المنطق: لماذا هذه الدول الثلاث تحديدًا؟

من كراكاس، ودمشق، وطهران، تبدو خطوط المواجهة متفرقة، لكنها تتبع منطقًا استراتيجيًا موحدًا: أقل تكلفة، أكبر عائد، أسرع وقت.

وأشارت مؤسسة الدراسات الدولية الصينية إلى أن سياسة ترامب الخارجية في ولايته الثانية تظهر نوعًا من “القيود الانتقائية” — حيث يتخذ موقفًا حذرًا تجاه القوى الكبرى مثل الصين وروسيا، لكنه لا يتردد في استهداف إيران وفنزويلا كـ"خصوم يمكن السيطرة عليهم". والخصائص المشتركة لهذه الدول الثلاث هي:

أولًا، أنها تسيطر على موارد استراتيجية ضرورية للولايات المتحدة — نفط فنزويلا، الموقع الجغرافي لسوريا، وموارد الطاقة الإيرانية. ثانيًا، تقع جميعها في مفاصل حيوية للطاقة العالمية وطرق النقل. ثالثًا، تعاني من أزمات داخلية أو ضعف يتيح للولايات المتحدة التدخل بسهولة.

وهذا هو تطبيق مثالي لـ"الضرب الانتقائي" في السياسة الدولية. ونقلًا عن خبراء، فإن تعامل واشنطن مع فنزويلا منح ترامب الثقة — “لقد اكتشف أنه يمكنه عبر أدوات الدولة أن يهدد دولًا أخرى ويشن عليها عمليات”.

البيت الأبيض يتحول إلى مقر شركة: إعادة تشكيل سلطة ترامب

ما هو أكثر سخرية هو أن ترامب، الذي وعد سابقًا بـ"تجنب الحروب غير المجدية"، يفتح الآن عصرًا جديدًا. ووفقًا للبيانات، فإن أقل من عام على بداية ولايته الثانية، نفذت القوات الأمريكية عمليات عسكرية في سبع دول، وتجاوز عدد الغارات 600، وهو رقم يساوي مجمل عمليات أوباما خلال ثماني سنوات.

ويعكس هذا التحول إعادة تعريف كاملة لصلاحيات الرئيس. إذ يرى ترامب البيت الأبيض كمقر رئيسي لشركة، ويعتبر السياسة الخارجية عملية استحواذ تجارية. وصرح وزير الخارجية بومبيو علنًا أنه يجري محادثات رفيعة المستوى مع كوبا، وأن ترامب يناقش احتمال “الاستيلاء الودي على كوبا”.

وهذا النموذج يتوسع. فما هو الهدف التالي؟ من الواضح أن كوبا، الجزيرة الكاريبية، على قائمة المراقبة — فهي تملك الموارد والموقع الاستراتيجي الذي تحتاجه الولايات المتحدة. وأرسل ترامب رسالة للعالم أن حسابات المصالح الوطنية قد تغيرت في هذا العصر الجديد.

انهيار النظام القديم: إلى أين تتجه القواعد الدولية؟

يعمل ترامب على زعزعة النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. وندد الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش بتصعيد النزاعات العسكرية، وحذر الرئيس الفرنسي ماكرون من تهديدات لاستقرار العالم، وأعرب الرئيس التركي أردوغان عن أسفه.

لكن التنديد لا يمنع إغلاق مضيق هرمز، ولا يعيد الأطفال الذين لقوا حتفهم. والأعمق من ذلك أن الولايات المتحدة تحول تغيير الحكم من استثناء إلى قاعدة، فإذا كانت قوة عظمى يمكنها اعتقال رئيس دولة أخرى أو اغتيال زعيمها الأعلى، فإن النظام الدولي المبني على مبدأ سيادة الدول، والذي أُسس بعد الحرب العالمية الثانية، يعود في الواقع إلى قانون “الضعيف يأكل القوي” في القرن التاسع عشر.

وتشير تعليقات وكالة أنباء شينخوا إلى أن إدارة ترامب لم تعد تعتبر نفسها مزودًا للمنتجات العامة الدولية، بل جعلت الآليات متعددة الأطراف أدوات في يدها. وعندما يبدأ صانعو القواعد في انتهاكها، فإن الخيارين أمام الدول الأخرى هما: الخضوع للقوة، أو تسريع تسليح نفسها عسكريًا واقتصاديًا.

استعراض الواقع: جوهر الصراع على الموارد

تتدفق نفط فنزويلا بشكل مستمر إلى مصافي الولايات المتحدة. وعقود إعادة الإعمار في سوريا تُقسم بين دول الخليج، بينما تستفيد واشنطن من ذلك استراتيجيًا. ولا تزال سماء إيران تتردد فيها أصوات الانفجارات.

هذه الحرب السريعة التي تمتد عبر ثلاث قارات، لم تكن أبدًا من أجل “الديمقراطية” أو “مكافحة الإرهاب”، بل كانت من أجل السيطرة على الطاقة وقيادة الطرق البحرية العالمية. وبكلمات خطاب الحالة في الكونغرس، والعديد من العمليات في منتصف الليل، أرسل ترامب رسالة للعالم: في هذا العصر الجديد من الجغرافيا السياسية، لم تعد الدولة مجرد كيان سياسي، بل هي مجموعة من الموارد والسلطة. وتحول سوريا هو أبلغ دليل على هذا العصر الجديد.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
إضافة تعليق
إضافة تعليق
لا توجد تعليقات
  • تثبيت