
تخطو هونغ كونغ خطوة استراتيجية لتعزيز مكانتها كمركز عالمي للأصول الرقمية عبر إطلاق مجموعة جديدة من السندات "الأصلية الرقمية". وتمثل هذه المبادرة ثالث عملية ترويج لسندات رقمية متعددة العملات في المدينة، مما يؤكد سعيها لدمج تقنية البلوكشين في التمويل التقليدي. ويعكس هذا التحرك رغبة هونغ كونغ في ترسيخ دورها كمركز ريادي للابتكار المالي الرقمي في آسيا والعالم.
سيتم إصدار السندات الرقمية الجديدة بعملات دولية رئيسية، من بينها الدولار الأمريكي، دولار هونغ كونغ، اليورو، واليوان الخارجي. وأفادت بلومبرغ، نقلًا عن مصادر مطلعة، أن عملية التسعير قد تتم قريبًا. وتُبرز هذه المقاربة متعددة العملات رغبة هونغ كونغ في استقطاب مستثمرين دوليين متنوعين وتعزيز تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود من خلال بنية تحتية قائمة على البلوكشين.
السند الرقمي هو ورقة مالية تُصدر وتُدار بواسطة تكنولوجيا البلوكشين، ما يشكل تطورًا حديثًا لأدوات الدين التقليدية. وتتيح البلوكشين تسجيل تفاصيل السند وملكيته بشكل آمن وشفاف على سجل رقمي موزع، مما يقلل من الحاجة للوسطاء في إصدار السند التقليدي. وتتميز هذه التقنية بميزات جوهرية، منها: شفافية متقدمة عبر سجلات غير قابلة للتغيير، تسوية أسرع تختزل الأيام إلى دقائق، خفض تكاليف التعاملات بفضل تقليل الوسطاء، وتوسيع فرص الوصول لمزيد من المستثمرين. كما تسهل الرقمنة تداول السندات في السوق الثانوية وتتبع تغيرات الملكية بشكل فوري.
ويعكس الإصدار الأخير للسندات الرقمية الأصلية بعملات متعددة مرونة تقنية ملحوظة؛ إذ يمكن إصدارها على بلوكشينات عامة مثل Ethereum التي تتيح وصولًا واسعًا وشفافية عالية، أو عبر منصات تكنولوجيا السجلات الموزعة (DLT) التي تقدمها مؤسسات مالية كبرى كـ HSBC Holdings أو Goldman Sachs. وتمنح هذه الإستراتيجية المزدوجة للمُصدر حرية الاختيار بين بيئة البلوكشين العامة المفتوحة أو المنصات المؤسسية الخاصة، وفقًا للاعتبارات التنظيمية والتشغيلية.
تبني هونغ كونغ هذه الخطوة الجديدة على أطر السندات المرمّزة التي تم الإعلان عنها رسميًا عام 2024، بعد سنوات من التحضير التنظيمي وتطوير السوق. وكانت سلطة النقد في هونغ كونغ (HKMA) سباقة في هذا المجال، إذ أطلقت ثاني سند أخضر مرمّز لها عام 2023. وهدفت المبادرة إلى تعزيز الشفافية في عمليات الاسترداد عبر تقنية البلوكشين، مما يتيح للمستثمرين تتبع الأثر البيئي لاستثماراتهم لحظيًا. وأثبت الإصدار الأخضر كيف يمكن أن تُستخدم البلوكشين ليس فقط لتعزيز الكفاءة، بل أيضًا للارتقاء بمعايير تقارير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG).
وعلاوة على السندات الرقمية، عززت هونغ كونغ ريادتها كمحور لإصدار السندات الدولية في آسيا بفضل تميزها في السوق. إذ تستحوذ المدينة على نحو %30 من جميع إصدارات السندات الدولية الآسيوية، ما يعكس عمق السيولة، قوة الإطار القانوني، وروابطها المتينة مع أسواق رأس المال شرقًا وغربًا. وتصدرت هونغ كونغ ترتيب إصدارات السندات الدولية في المنطقة لتسع سنوات متتالية، ما يؤكد مكانتها المالية رغم المنافسة الإقليمية والتقلبات الاقتصادية العالمية.
ويأتي إعلان بيع السندات الخضراء الرقمية عقب إطلاق Franklin Templeton، مدير الأصول العالمي، أول صندوق سوق مال مرمّز في هونغ كونغ، ما يشكل إنجازًا بارزًا جديدًا لمسار الأصول الرقمية في المدينة. ويعتمد الصندوق على تقنية البلوكشين لتعزيز الشفافية وكفاءة المعاملات، ما يمكّن المستثمرين من متابعة الأصول والتقييمات بشكل لحظي. وفي مرحلته الأولى، يقتصر الصندوق على المستثمرين المؤسساتيين، ويمنحهم أداة استثمارية منظمة قائمة على البلوكشين تجمع بين استقرار أدوات السوق النقدية ومزايا التوكننة التقنية. ويعكس هذا التطور تزايد ثقة المؤسسات بمنتجات التمويل المعتمدة على البلوكشين وبيئة هونغ كونغ التنظيمية.
إضافة إلى ذلك، أبدت الشركات في هونغ كونغ إقبالًا متزايدًا على إصدارات السندات الرقمية، حيث أصدرت ست شركات على الأقل سندات رقمية وفقًا لتحليل بلومبرغ، وجمعت تلك السندات ما مجموعه $1 مليار من رأس المال، ما يدل على إقبال قوي على أدوات الدين المبنية على البلوكشين. وصدرت أربعة من هذه الإصدارات في عام 2024، ما يؤشر إلى تسارع وتيرة اعتماد الأوراق المالية الرقمية. وتكمل هذه الأنشطة المؤسسية المبادرات الحكومية، لتشكّل منظومة متكاملة لسوق السندات الرقمية في هونغ كونغ.
وقد علّقت Rain Yin، مديرة في S&P Global Ratings، على جودة الائتمان وإدارة المخاطر لهذه الأدوات الرقمية. فقد منحت الشركة تصنيف AA+ للسندات الرقمية المقترحة، وهو من أعلى التصنيفات الائتمانية، ما يعكس ثقة كبيرة في جودة الائتمان ومتانة إجراءات إدارة المخاطر. وبيّنت Yin أن المخاطر التقنية "تمت معالجتها عبر خطة تتطلب، في حال حدوث طارئ، تحويل السندات إلى الأنظمة التقليدية". ويضمن هذا التخطيط للطوارئ حماية مصالح حاملي السندات عبر آليات احتياطية للتسوية التقليدية، حتى في حال وقوع مشكلات تقنية في البلوكشين. ويحقق هذا النموذج الهجين توازنًا بين متطلبات التنظيم والاستقرار المالي من جهة، ودفع الابتكار التكنولوجي من جهة أخرى.
السندات الأصلية الرقمية هي أوراق مالية تُصدر وتُدار بالكامل على شبكات البلوكشين، ما يتيح تسوية فورية وتداولًا مستمرًا دون وسطاء. بعكس السندات التقليدية التي تتطلب عمليات مقاصة معقدة وبنية تحتية مصرفية، توفر هذه السندات شفافية أكبر، تكاليف أقل، وخيارات برمجة مبتكرة عبر العقود الذكية، لتلائم عالم التمويل الرقمي الحديث.
تهدف السندات الأصلية الرقمية إلى تحديث أسواق رأس المال واستقطاب رؤوس أموال العملات الرقمية العالمية، مما يرسخ مكانة هونغ كونغ كمركز مالي رائد في مجال Web3، ويعزز تفوقها في بنية البلوكشين التحتية، تبنّي المؤسسات، وحجم التداول، مع إبراز ابتكارها التنظيمي.
نعم، السندات الأصلية الرقمية هي أوراق مالية قائمة على البلوكشين. وتتميز بالتسوية الفورية، التداول على مدار الساعة، انخفاض تكاليف التعاملات، شفافية عالية، تقليل الوسطاء، وتحسين السيولة. وتساعد هونغ كونغ في تعزيز مكانتها كمركز للعملات الرقمية، وتوفر للمستثمرين كفاءة أعلى وسهولة وصول أكبر.
يستطيع المستثمرون شراء السندات الأصلية الرقمية عبر المؤسسات المالية المعتمدة والمنصات المرخصة. وتتم عمليات التداول على شبكات البلوكشين الداعمة لـالأوراق المالية المرمّزة، مع إمكانية التسوية على مدار الساعة. ويتطلب الوصول اجتياز إجراءات التحقق من الهوية (KYC) والتصنيف المناسب للمستثمرين بما يتوافق مع اللوائح التنظيمية.
تتضمن السندات الأصلية الرقمية مخاطر تقلب الأسعار، السيولة، والمتغيرات التنظيمية. على المستثمرين متابعة استقرار تكنولوجيا البلوكشين، الجدارة الائتمانية للمُصدر، والتطورات التنظيمية. كما تتطلب ثغرات العقود الذكية والتهديدات الإلكترونية اهتمامًا خاصًا. ويُنصح بالتنويع وفهم آليات التوكننة قبل اتخاذ القرار الاستثماري.
تعزز السندات الرقمية الأصلية مكانة هونغ كونغ كمركز للعملات الرقمية، وتجذب رؤوس أموال مؤسساتية عالمية وتضع معايير الامتثال، ما يضفي شرعية أكبر على الأصول الرقمية، ويرفع حجم المعاملات في المنطقة، ويدفع نحو تبني أطر مماثلة عالميًا، مما يسرّع انتشار الأصول الرقمية حول العالم.











