في منصة منتدى دافوس للاقتصاد العالمي (WEF) الذي أقيم في 20 يناير في سويسرا، ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (Mark Carney) خطابًا ملهمًا. نادرًا ما أعلن بصراحة وحزم أن “النظام الدولي القائم على القواعد” قد أصبح خياليًا منذ فترة طويلة، داعيًا الدول ذات القوة المتوسطة إلى التجمع لمواجهة الهيمنة الكبرى وإعادة بناء الاستقلال الاستراتيجي. لم يعِد هذا الخطاب فقط بتعريف جديد لموقف كندا السياسي، بل أيضًا أطلق بداية إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية لعام 2026 في ظل الاضطرابات.
وداعًا لـ"النظام الوهمي"! كارني: الدول ذات القوة المتوسطة بحاجة إلى الوحدة
في خطابه، أشار كارني بشكل ضمني إلى تحدي مكانة الولايات المتحدة. وأوضح أن القواعد الدولية التي اعتمدت عليها الدول خلال العقود الماضية لم تعد فعالة، وأن هذا النظام أصبح الآن مجرد “وهم”. واستشهد بكلمة فاكلاف هافيل، المقاوم التشيكي، مؤكدًا أن العالم يمر بنقطة انقطاع حادة (Rupture).
ودعا قادة الدول إلى مواجهة الواقع، دون التعلق بالنظام القديم الذي لا يمكن العودة إليه:
بدأت الدول الكبرى في اعتبار المزايا الاقتصادية سلاحًا، والجمركة ورقة مساومة، والبنية التحتية المالية تهديدًا، وسلاسل التوريد نقاط ضعف يمكن استغلالها،
وقال في هذا الصدد: “الدول ذات القوة المتوسطة بحاجة إلى الوحدة، لبناء أشياء أكبر وأفضل وأقوى وأكثر عدالة.”
من الاعتماد إلى المواجهة: تغير العلاقات بين كندا والولايات المتحدة بشكل سري
وفيما يتعلق بعلاقة كندا مع الولايات المتحدة، أكد كارني موقفه المتشدد منذ خطابه في مارس 2025، معلنًا نهاية الشراكة التقليدية بين كندا وأمريكا. وفسر Politico أن، في مواجهة اعتبار الحكومة الأمريكية للجمركة ورقة ابتزاز جيوسياسية، يقود كارني بنشاط نظامًا جديدًا يستبعد الولايات المتحدة ويتكون من دول ذات مصالح مشتركة:
عندما تتحول هذه الشراكات إلى مصدر خضوع، لن تتمكن بعد ذلك من العيش في أكاذيب الادعاء بالمصلحة المتبادلة.
وأكد كارني: “نحن نسعى إلى استراتيجية تعاون ‘جغرافيا متغيرة (variable geometry)’، أي تشكيل تحالفات مختلفة وفقًا للقيم والمصالح المشتركة لكل قضية.”
الدفاع عن خط الدفاع في القطب الشمالي: التعاون مع ماكرون لدعم سيادة الدنمارك وغرينلاند
في قضية سيادة غرينلاند، أظهر كارني عزمه على الحفاظ على القانون الدولي. في مواجهة إصرار الولايات المتحدة على ضم غرينلاند، وقف إلى جانب الرئيس الفرنسي ماكرون، مؤكدًا دعم السيادة الدنماركية والغرينلاندية، والعمل على ضمان أمن المنطقة القطبية الشمالية.
وشدد كارني على أن سيادة الجزر القطبية يجب ألا تكون غنيمة لصراع القوى الكبرى، وأن التعاون الوثيق مع الحلفاء الأوروبيين يثبت أن الدول ذات القوة المتوسطة تمتلك القدرة الجماعية على كبح طموحات التوسع للقوى الكبرى.
(منتدى دافوس|تم ذكر غرينلاند وتايوان، ووزير المالية الأمريكي يتحدث عن خطوط الجبهة الجيوسياسية)
تطبيق دبلوماسية “جغرافيا متغيرة”: رحلة بكين تعيد تشكيل التوازن الجيوسياسي
قبل منتدى دافوس، أنهى كارني الأسبوع الماضي زيارته إلى بكين، والتي اعتُبرت نقطة تحول في تحسين العلاقات بين البلدين، وأيضًا تمهيدًا استراتيجيًا للعلاقات مع الولايات المتحدة. من خلال استعادة الحوار مع السلطات الصينية الذي توقف لسنوات، نجحت كندا في التوصل إلى توافق في الرؤى بشأن التعاون في الطاقة، والسيارات الكهربائية، وتجارة المنتجات الزراعية.
يمكن القول إن هذه الزيارة كانت تطبيقًا لاستراتيجية دبلوماسية “جغرافيا متغيرة” التي يتبعها كارني، حيث يقلل من مخاطر التجارة ويقلل الاعتماد على الولايات المتحدة، مما يمنح كندا مساحة أكبر للمفاوضات، ويضمن عدم فقدانها للكلمة في لعبة القوى الكبرى.
هذه المقالة بعنوان “منتدى دافوس|رئيس وزراء كندا مارك كارني يعلن عن انهيار النظام الدولي: الدول الصغيرة تتحد لمواجهة هيمنة القوى الكبرى” ظهرت لأول مرة على شبكة لينكد إن ABMedia.