عندما يخلق الذكاء الاصطناعي ثروة غير مسبوقة، فإنه في الوقت ذاته ينهب تدريجياً أساس اقتصاد الإنسان. أصدرت مؤسسة Citrini Research تقريراً حديثاً تحذيرياً: عاصفة اقتصادية عالمية يسببها “الذكاء المفرط”، تقترب من الطبقة البيضاء.
(ملخص سابق: معركة الدفع عبر الذكاء الاصطناعي: جوجل تقود 60 حليفاً، وStripe تبني طريقها الخاص)
(معلومات إضافية: وظيفة براتب 150 ألف دولار، أنجزتها الذكاء الاصطناعي بـ 500 دولار: دليل ترقية وكيل الأعمال الشخصي)
فهرس المقال
تبديل
بينما يغمر العالم في احتفاله بالإنتاجية التي يجلبها الذكاء الاصطناعي، فإن تقريراً عميقاً أصدرته Citrini Research يطلق تحذيراً صادماً. يحمل التقرير عنوان “أزمة الذكاء العالمية 2028”، ويستعرض من خلال نظرة استرجاعية لعام 2028 سيناريوهات متطرفة: كلما زاد نجاح الذكاء الاصطناعي، زادت احتمالية انهيار الاقتصاد. يشير التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي، رغم تحسينه الملحوظ للإنتاجية، يسبب استبدالاً واسعاً للطبقة البيضاء، ويفكك الحصون التجارية التقليدية، مما يؤدي في النهاية إلى عاصفة مالية نظامية تؤثر على سوق العقارات والائتمان.
يوضح التقرير أنه بحلول نهاية عام 2026، على الرغم من أداء مؤشر S&P 500 والأرقام الاسمية للناتج المحلي الإجمالي بشكل مبهر، إلا أن الاقتصاد الحقيقي كان يتخبط في تيارات خفية. مع تحويل الشركات التوفير في تكاليف العمالة إلى استثمارات هائلة في قدرات الذكاء الاصطناعي، توقف نمو رواتب الطبقة البيضاء أو حتى بدأ في الانكماش. لاحظ الاقتصاديون ظاهرة “الناتج المحلي الإجمالي الشبح”: رغم أن البيانات تظهر زيادة في الإنتاج، إلا أن الثروة تتركز في قلة من حاملي قدرات الحوسبة، ولا تدخل في الدورة الاقتصادية الحقيقية. وبما أن الآلات لا تستهلك، فإن الاقتصاد الاستهلاكي البشري، الذي يمثل 70% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، بدأ يتآكل بسرعة، وانخفض معدل دوران النقود إلى أدنى مستوياته.
جوهر الأزمة هو “دوامة استبدال الذكاء البشري”. يشير التقرير إلى أنه عندما يمتلك الذكاء الاصطناعي قدرات برمجة وأتمتة قوية، لم تعد الشركات بحاجة إلى اشتراكات برمجية مكلفة أو خدمات استشارية وسيطة. على سبيل المثال، في صناعة SaaS (البرمجيات كخدمة)، عندما يقلل العملاء بنسبة 15% من التوظيف بسبب زيادة الكفاءة عبر الذكاء الاصطناعي، تنخفض تراخيص البرمجيات لديهم، مما يخلق رد فعل سلبي “للذئب الذي يأكل لحمه”.
علاوة على ذلك، فإن الصناعات التي تعتمد على “تصحيح عدم التوازن المعلوماتي” أو “تبسيط العمليات المعقدة”، مثل وساطة العقارات، وتجديد التأمين، ومنصات التوصيل، والمستشارون الماليون، تفقد حصونها أمام وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents). عندما يستطيع الوكيل الذكي تلقائياً أن يجد للمستهلكين الخيارات الأرخص ويتجنب الرسوم، تتقلص أرباح النماذج التجارية التقليدية إلى الصفر.
مع انتشار البطالة بين الطبقة البيضاء من صناعة البرمجيات إلى الاقتصاد الخدمي بأكمله، بدأ النظام المالي في الانهيار. فشل “القروض الخاصة” (Private Credit)، الذي توسع بسرعة خلال العقد الماضي، في سداد ديونه بسبب استثمار كبير في شركات SaaS التي فقدت قيمتها، مما أدى إلى موجة من التخلف عن السداد، وتأثيرات على شركات التأمين على الحياة التي تعتمد على هذه السندات كأصول أساسية.
الأخطر من ذلك هو سوق الرهن العقاري الأمريكي الذي يبلغ حجمه 13 تريليون دولار. يحذر التقرير من أنه حتى المقترضين ذوي التصنيفات الائتمانية العالية (مثل FICO 780) قد يتحولون إلى أصول غير جيدة إذا تقلصت رواتبهم أو اختفت بسبب استبدالهم بالذكاء الاصطناعي، مما يؤدي إلى تدهور قيمة تلك القروض. تظهر سيناريوهات 2028 أن أسعار العقارات في مدن مثل سان فرانسيسكو وسياتل قد انخفضت بمعدل مزدوج الرقم، مما يفتح الباب أمام تصحيح أصول كبير يشبه أزمة 2008 المالية.
في مواجهة انخفاض الضرائب الناتج عن تقلص سوق العمل، تواجه الحكومات عجزاً مالياً وضغوطاً اجتماعية متزايدة. يذكر التقرير أن الإدارة الأمريكية تدرس مشروع “قانون التحول الاقتصادي” (Transition Economy Act)، والذي يتضمن فرض ضرائب على قدرات الذكاء الاصطناعي، وإنشاء “صندوق الازدهار المشترك للذكاء الاصطناعي”، لتوزيع عائدات البنية التحتية الذكية مباشرة على الأسر.
يلخص التقرير أن التاريخ البشري يمر الآن بتصحيح عميق لـ"قيمة الذكاء". فبعد أن كان الذكاء البشري نادراً ومرغوباً، أصبح الآن رخيصاً ووفيراً، ويجب على النظام الاقتصادي أن يعيد هيكلته قبل أن ينهار.
على الرغم من أن السيناريوهات التي يرسمها التقرير مقلقة، إلا أن المؤلف يؤكد أن هذه مجرد محاكاة، وهدفها تذكير المستثمرين والجمهور بأن أمامنا وقتاً لإعادة تقييم توزيع الأصول، والتخطيط لمستقبل أكثر شمولية.