كتابة: إيدي شين، كبير محللي مجموعة OSL
“لقد كانوا يلعبون بنا طوال الوقت.”
هذه العبارة التي انتشرت بعد الدعوى القضائية على Reddit وCrypto Twitter (CT)، ترافقت مع موجة من عمليات التصفية التاريخية التي بلغت أكثر من 2400 مليار دولار، والتي أدت إلى ضغط هائل على السوق، موجهة أصابع الاتهام إلى شركة جين ستريت كابيتال.
الساعة العاشرة صباحًا، بعد شهور من ضعف السيولة في الأسواق الآسيوية، كشفت الدعوى القضائية التي قدمتها وزارة العدل الأمريكية عن جزء من الحقيقة، وكل شيء بدأ مع شركة جين ستريت كابيتال، وهي من أكبر شركات السوق المهيمنة على وول ستريت منذ عام 2000، والتي وُجهت إليها تهمة استخدام استراتيجيات تحايل عبر التداول في السوق من خلال استغلال آلية ETF (صناديق المؤشرات المتداولة) بين السوق الفوري والمشتقات، عبر آلية إنشاء واسترداد وحدات ETF، لتنفيذ عملية “خداع” استمرت لعدة أشهر.
حتى ظهور الدعوى التي وضعت هذا النزاع في دائرة الضوء العامة، ارتفعت النقاشات حول آلية استغلال ETF وهيكل اكتشاف السعر، مما أدى إلى رد فعل حاد في السوق، وظهور موجة من عمليات التصفية التاريخية التي بلغت أكثر من 2400 مليار دولار، في شكل ضغط شرائي هائل (Short Squeeze).
لكن هل كانت جين ستريت كابيتال هي بالفعل من ضغط على سعر البيتكوين؟ هذا سؤال ذو قيمة لا تقل عن مليار دولار.

هذا السؤال يتطلب إجابة دقيقة، وأهم نقطة يجب فهمها أولاً أن الأمر لا يقتصر على جين ستريت فقط.
إنه يتعلق بالخصائص الهيكلية لنظام ETF في البيتكوين، وهو ينطبق بشكل متساوٍ على كل المشاركين المصرح لهم (Authorized Participants، اختصارًا AP) في النظام البيئي. فقط بالنظر إلى شركة بيليدج IBIT، فإن القائمة تشمل جين ستريت كابيتال، JPMorgan، Macquarie، Virtu Americas، Goldman Sachs، Citadel Securities، Citigroup، UBS، وABN AMRO.
هذه المؤسسات يُساء فهم دورها بشكل كبير، حتى بين خبراء الصناعة المخضرمين، وقبل إصدار أي استنتاج، من المهم تصحيح هذا المفهوم الخاطئ.
بالنسبة للمشاركين المصرح لهم (AP)، يجب أن نفهم أن دورهم في إطار تنظيم Reg SHO (قواعد تنظيم البيع على المكشوف بدون ضمانات من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية) هو استثنائي. على سبيل المثال، يتطلب Reg SHO من البائعين على المكشوف أن يقترضوا الأسهم قبل البيع، لكن AP يُعفى من ذلك بفضل حقوقه في المشاركة في عمليات الاكتتاب والاسترداد بموجب عقود.
على الرغم من أن هذا يبدو كإجراء تنظيمي، إلا أن نتائجه العملية هامة جدًا، إذ تعني أن أي AP يمكنه ببساطة إنشاء وحدات جديدة من ETF دون تكلفة اقتراض الأسهم، ودون قيود زمنية صارمة على الإغلاق، باستثناء المهل التجارية المعقولة.
هذه المنطقة الرمادية تمثل: استثناء تنظيمي مصمم لدعم سوق ETF منظم ومرتب، وهو من الناحية الهيكلية لا يختلف عن استراتيجيات التحايل التنظيمي ذات الأمد غير المحدود. هذا الاستثناء ليس حكرًا على شركة معينة، بل هو شرط أساسي لعضوية نادي AP.
عادة، إذا كانت قيمة ETF مثل IBIT أقل من صافي قيمة الأصول (NAV)، يتوقع أن يتدخل المستثمرون في عمليات التحوط، ويقومون باسترداد وحدات ETF لشراء البيتكوين الحقيقي، وتعديل الفارق السعري. لكن، أي AP هو في الواقع هو نفسه المستثمر الذي يقوم بعمليات التحوط، ويسيطر على القناة، مما يختلف عن طرف ثالث لا يملك حق الاسترداد.
قد يبدو الأمر معقدًا، لكن يمكن توضيحه بمثال بسيط:
افترض أن هناك صندوق غمامة (مثل ETF IBIT)، ويحتوي على قسيمة بيتكوين حقيقية بقيمة 100 دولار (وهي صافي قيمة الأصول). لكن في سوق متوتر، انخفض سعر الصندوق إلى 95 دولارًا.
من المنطق الطبيعي، سيشتري المستثمر الذكي (مستثمر التحوط) الوحدة بسعر 95 دولارًا، ثم يذهب ليطلب من المصدر الرسمي فتح الصندوق، ويستبدل الوحدة ببيتكوين بقيمة 100 دولار، ويبيعها ليحقق ربحًا قدره 5 دولارات.
وبسبب إقبال الجميع على شراء الصناديق للتحوط، سيرتفع سعر الصندوق بسرعة إلى 100 دولار، ويُعرف ذلك بـ"تسوية الفارق السعري".
لكن في عالم ETF البيتكوين الحقيقي، لا يحق للشركات التجارية العادية أو المستثمرين الأفراد طلب استبدال الصندوق مباشرة من المصدر (أي لا يملكون حق الاسترداد)، فالسوق يقتصر على عدد قليل من البنوك الكبرى في وول ستريت (AP) التي تملك هذا الحق، مما يمنحها احتكارًا على عملية استبدال وحدات ETF بالبيتكوين الحقيقي (وهي القناة الوحيدة التي تسيطر عليها).
لو كان الأمر طرفًا ثالثًا عاديًا، لكان سيقوم فورًا بشراء الوحدة بسعر منخفض، ويبحث عن طريقة لاستبدالها، لكن الـAP يختلف، فهو يخطط بشكل أكثر ذكاءً: “طالما أنني الوحيد الذي يمكنه استبدال الصندوق، فلماذا أتصرف بشكل عشوائي؟ إذا لم أعد السعر إلى 100 دولار، واحتفظت بالفارق عند 95 دولار، يمكنني أن أحقق أرباحًا أكبر في مكان آخر (مثل سوق العقود الآجلة للبيتكوين) من خلال البيع أو الشراء.”
ملخص ذلك أن السوق كان لديه آلية تصحيح تلقائية (عندما ينخفض السعر كثيرًا، يشتري المستثمرون ويعيدون السعر إلى الطبيعي)، لكن، لأن المفتاح الوحيد لتنفيذ هذا التصحيح هو الـAP، وعندما يكتشف أن “عدم التصحيح وابقاء الفارق” يمكن أن يحقق له أرباحًا في أسواق أخرى، فإنه لا يملك الدافع لإعادة السعر إلى وضعه الطبيعي.
المستثمرون الأفراد ينتظرون أن يأتي جيش التحوط لإنقاذ السعر، لكنهم لا يدركون أن الـAP هو الذي يستغل هذا الفارق لتحقيق أرباح في أسواق أخرى.
يمكن تغطية مخاطر البيع على المكشوف في IBIT عن طريق شراء البيتكوين الحقيقي، لكن ذلك ليس ضروريًا، طالما أن الأداة المختارة مرتبطة بشكل وثيق بالأصل.
البديل الواضح هو العقود الآجلة للبيتكوين، خاصة من حيث كفاءتها المالية. هذا يعني أنه إذا كانت أدوات التحوط هي العقود الآجلة بدلاً من السوق الفوري، فإن السوق الفوري لن يتم شراؤه أبدًا، وبسبب عدم رغبة الـAP في شراء البيتكوين الحقيقي، فإن الفارق السعري لن يُغلق بواسطة آلية السوق الطبيعي.
من المهم ملاحظة أن الفرق بين السوق الفوري والعقود الآجلة هو موضوع رئيسي في استراتيجيات الفارق (Basis Trading)، وهم يسعون للحفاظ على هذا الترابط. لكن، كل فصل بين أدوات التحوط والأصل الأساسي يخلق مخاطر غير نقية (Dirty Basis Risk)، وهذه المخاطر تتراكم في الهيكل، وعند الضغوط، تكون سببًا في حدوث انحرافات السوق.
وأخيرًا، هناك قطعة أخرى من اللغز تتعلق بموافقة SEC مؤخرًا على عمليات الإنشاء والاسترداد العينية (In-kind Creation and Redemption). في النظام السابق الذي كان يعتمد على النقد فقط، كان يُطلب من الـAP تسليم نقدي، ويقوم الوصي بشراء البيتكوين الحقيقي، وهو إجراء تنظيمي يفرض شراء البيتكوين بشكل منهجي. أما الآن، مع عمليات الإنشاء والاسترداد العينية، يمكن لأي AP أن يسلم البيتكوين مباشرة، ويختار مصدره وسوقه، سواء من خلال OTC أو تسعير تفاوضي، مع تقليل تأثير السوق.
هذه المرونة تسمح للـAP بالحفاظ على مراكز المشتقات، وتحقيق أرباح من رسوم التمويل أو تقلبات السوق خلال فترة التوصيل، مع الالتزام بقوانين النشاط القانوني للـAP.
وهذا هو جوهر المشكلة: ما يبدو كتصرف طبيعي من جهة السوق، وما يبدو كتصرف طبيعي من جهة أخرى، يصعب تصنيفه بوضوح. ليست هناك اتهامات موجهة لشركة معينة، فكل الـAPs المدرجة في قائمة IBIT، وكل الـAPs في كل صندوق ETF، يعملون ضمن نفس الهيكل، ويستفيدون من نفس الاستثناءات، ويملكون نفس القدرات النظرية. هل استغل بعضهم هذه القدرات بشكل غير أخلاقي، أو بشكل يتجاوز التنسيق القانوني، فهذا يخص هيئة SEC التي وافقت على الصناديق، والتي تتطلب وجود “اتفاقية مراقبة مشتركة”.
هل هذه الاتفاقيات كافية لمراقبة السلوك عبر السوق الفوري، والعقود الآجلة، والأسواق الخارجية، أم أن هناك أوجه غموض لا تزال قائمة؟
باختصار، جين ستريت أُبرزت فقط لأنها في دائرة الضوء، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الهيكل الأساسي لصناديق البيتكوين، الذي صممه خبراء وول ستريت منذ زمن، وهو يتيح للـAPs ليس فقط الضغط على السعر، بل أيضًا المساس بسلامة آلية اكتشاف السعر نفسها، وهو تأثير أعمق بكثير.
لذا، السؤال الحقيقي ليس عما إذا كانت شركة معينة هي “الشرير”، بل عن مدى ملاءمة إطار التنظيم المالي التقليدي في القرن العشرين، لإدارة أصل ناشئ في القرن الواحد والعشرين، حيث “القيمة تكمن في عدم خضوعها للرقابة”.
ربما يكون هذا هو الثمن الذي يدفعه السوق في مرحلة دخول المؤسسات الكبرى، فبينما نرغب في تدفق السيولة من وول ستريت، لا نريد أن نكون ضحايا لنظام ألعاب غامض يعتمد على استغلال الثغرات التنظيمية.
هذه ليست مجرد إجابة على جين ستريت، بل هي السؤال النهائي حول مستقبل صناديق البيتكوين في عصر ETF.
مقالات ذات صلة
تحليل: مستوى الدعم المهم لبيتكوين هو 64,500 دولار، حاليًا لا يوجد ما يكفي من البائعين لدفع بيتكوين بسرعة دون مستوى 60,000 دولار
شركة AEHL المدرجة في سوق الأسهم الأمريكية تطلق "خطة العبقرية" لتخصيص الأصول الرقمية، وتكمل أول عملية شراء لبيتكوين بقيمة 1 مليون دولار أمريكي