شركة أنثروبيك التي يقودها دارييو أموديي، والتي كانت تُعتبر واحدة من أكثر شركات الذكاء الاصطناعي تعاونًا مع الحكومة الأمريكية، تواجه الآن مواجهة علنية مع البنتاغون بسبب قيود استخدام رئيسية.
أكد أموديي أن الشركة مستعدة لدعم 98% إلى 99% من الأغراض الدفاعية، لكنها تضع خطوطًا حمراء بشأن قضيتي “المراقبة الجماعية داخل البلاد” و"الأسلحة الذاتية بالكامل". وقال إن هذا ليس رفضًا للأمن القومي، بل دفاعًا عن القيم الديمقراطية الأمريكية وروح الدستور.
تعاون وثيق مع النظام الدفاعي، لكن مع وضع خطوط حمراء
أوضح أموديي في مقابلة أن أنثروبيك كانت من أوائل شركات الذكاء الاصطناعي التي تعاونت بشكل عميق مع النظام الأمني الأمريكي. أشار إلى أن الشركة كانت من أوائل من نشروا نماذجها في بيئة سحابية سرية، وأنها طورت نماذج مخصصة للأغراض الوطنية، والتي تُستخدم الآن على نطاق واسع في وحدات الاستخبارات والجيش، بما في ذلك الأمن السيبراني ودعم العمليات.
بمعنى آخر، أنثروبيك ليست رافضة للاستخدام العسكري، بل مشاركة نشطة فيه.
ومع ذلك، وضعت الشركة قيودًا لا يمكن التنازل عنها:
الأول هو “المراقبة الجماعية داخل البلاد”. يخشى أموديي أن تتيح الذكاء الاصطناعي للحكومة تحليل كميات هائلة من البيانات من الشركات الخاصة، مثل سجلات الموقع، والميول السياسية، وسلوك الأفراد. قد لا تكون هذه الأفعال مخالفة للقانون الحالي، لكن التطور السريع لتقنيات الذكاء الاصطناعي جعل قدرات المراقبة تتجاوز بكثير نية التشريع.
الثاني هو “الأسلحة الذاتية بالكامل”، أي أنظمة الأسلحة التي تتخذ قرارات بإطلاق النار تلقائيًا دون تدخل بشري. أشار أموديي إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تزال تواجه مشاكل في التنبؤ والموثوقية، وأن الاعتماد الكامل على الآلات في اتخاذ القرارات قد يؤدي إلى أخطاء، أو استهداف غير صحيح، أو إصابة مدنيين.
وأكد أن الأمر يختلف عن الأسلحة “نصف الذاتية” المستخدمة حاليًا على ساحة المعركة، وهو يشير إلى أنظمة أسلحة غير مراقبة تمامًا.
مهلة ثلاثة أيام وخلاف “مخاطر سلسلة التوريد”
وفقًا لأموديي، طلب البنتاغون من أنثروبيك خلال ثلاثة أيام فقط الموافقة على شروطه، وإلا ستُصنف الشركة على أنها “مخاطر في سلسلة التوريد”. عادةً، تُستخدم هذه التصنيفات ضد شركات أجنبية، مثل الشركات الروسية أو الصينية، ولم يُستخدم تقريبًا ضد شركات أمريكية محلية.
الأكثر إثارة للجدل هو أن التواصل تم بشكل رئيسي عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. قال أموديي إن الشركة لم تتلقَ بعد أي وثائق قانونية رسمية، وإنما شاهدت تصريحات علنية من الرئيس ومسؤولي الدفاع على منصة X (تويتر سابقًا).
حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقد أنثروبيك علنًا ووصفها بأنها “أنانية”، معتبرًا أن ذلك يهدد القوات الأمريكية والأمن الوطني.
وردًا على ذلك، قال أموديي إن الشركة مستعدة للمساعدة في انتقال وزارة الدفاع إلى موردين آخرين، حتى لو تعرضت لعقوبات، لتجنب توقف التكنولوجيا لمدة تتراوح بين 6 إلى 12 شهرًا.
ما هو جوهر المشكلة الحقيقي؟
يرى أموديي أن جوهر الخلاف لا يكمن في “من هو الأكثر وطنية”، بل في نضج التقنية وتحمل المسؤولية.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يزال غير قابل للتنبؤ بشكل كامل. حتى لو كانت الأداءات جيدة بشكل عام، فإن خطأ واحدًا بنسبة 1% في لحظة حاسمة قد يكون كارثيًا على العمليات العسكرية. قد يحدث استهداف خاطئ، أو خطأ في التمييز بين الأعداء والأصدقاء، أو إصابة مدنيين.
أما المشكلة الأعمق فهي “آلية المساءلة”. إذا نشأت شبكة من مئات الآلاف من الطائرات بدون طيار، يُشغلها عدد قليل من الأشخاص أو حتى فرد واحد، وحدث خطأ، فمن المسؤول؟ الذكاء الاصطناعي؟ المهندسون؟ الضباط العسكريون؟ أم القادة السياسيون؟
هذه الأسئلة لم تُناقش بشكل كامل بعد في الكونغرس.
هل تتفوق الشركات الخاصة على الحكومة؟
أكثر الأسئلة حدة في المقابلة هو: لماذا يحق لشركة خاصة أن تحدد كيف يمكن للجيش استخدام تقنياتها؟
كان جواب أموديي بسيطًا — السوق الحر.
قال إن الحكومة يمكنها اختيار موردين آخرين، وإذا كانت القيم غير متوافقة، فمن المفترض أن ينفصل الطرفان بشكل سلمي، بدلاً من فرض إجراءات عقابية عبر تصنيف سلسلة التوريد. يعتقد أن هذا النهج يخلق تأثيرًا رادعًا على الشركات الخاصة.
وفي الوقت نفسه، يعترف بأنه من الأفضل على المدى الطويل أن تُنظم العلاقة بين الشركات العسكرية والخاصة من خلال تشريعات واضحة من الكونغرس. ودعا إلى وضع إطار قانوني جديد ينظم استخدامات الذكاء الاصطناعي في المراقبة والأسلحة الذاتية، لمواكبة التطور التكنولوجي.
هل الأمر يتعلق بالأيديولوجية؟
انتقد البعض أنثروبيك بأنها “شركة ذات توجه يساري”. نفى أموديي ذلك، مؤكدًا أن الشركة تعاونت مع الحكومة في قضايا متعددة، مثل سياسات الطاقة وخطط الذكاء الاصطناعي. وقال إن الخلاف الحالي لا يتعلق بالسياسة، بل بالقيم وإدارة المخاطر.
وشدد على أن “عدم الموافقة على الحكومة هو سلوك أمريكي أصيل.”
هل تستطيع أنثروبيك الصمود أمام هذه العاصفة؟
على الصعيد التجاري، بدا أموديي واثقًا جدًا. قال إن تأثير تصنيف مخاطر سلسلة التوريد محدود، ولن يمنع الشركات الأخرى من استخدام تقنيات أنثروبيك، وسيقتصر على العقود العسكرية فقط.
يعتقد أن بعض التصريحات تم تضخيمها عمدًا لإثارة الخوف والشكوك، لكن الأعمال الأساسية للشركة ستظل مستقرة.
في النهاية، تكشف هذه الأزمة عن مشكلة أكبر: عندما تتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي بسرعة هائلة، وتتأخر التشريعات والتنظيمات، من يحدد الحدود؟
تؤمن أنثروبيك بأن “99% يمكن التعاون، و1% يجب أن يُحذر”، بينما يؤكد البنتاغون أن “جميع الاستخدامات القانونية يجب أن تكون مفتوحة”. الفجوة بين الطرفين ليست فقط خلافًا سياسيًا، بل تصور مختلف لمستقبل الحروب.
هذه المقالة حول تصادم مباشر بين أنثروبيك والبنتاغون! وُجدت أولاً على شبكة ABMedia.