
المؤلف: DeepThinkCircle
هل فكرت يوماً أن تلك الأهداف التي تسعى إليها بكل جهد، قد تكون بالضبط هي الأشياء التي تمنعك من النجاح؟ الترقية، زيادة الراتب، الألقاب، المكانة الاجتماعية، هذه المعالم التي تبدو بديهية في مسيرة الحياة، قد تكون في الواقع تحبس أنفاسك داخل فخ مصمم بعناية. مؤخرًا شاهدت فيديو، حيث قام Chamath Palihapitiya، أحد كبار مسؤولي Facebook السابقين ومستثمر معروف، بتلخيص خبرته التجارية التي استمرت 30 عامًا خلال 13 دقيقة. قال كلمة هزتني تمامًا: “استغرقت 30 عامًا لأفهم أن تلك الأهداف التي كنت أسعى إليها بكل جهدي، كانت كلها غبية.” هذه ليست مجرد كلمات تحفيزية من نوع “اشعر بالامتنان”، بل هي تأمل عميق من ملياردير بعد أن مرّ بتجارب نجاح وفشل لا حصر لها.
سيرته الذاتية لـ Chamath بحد ذاتها أسطورية. كان عضوًا رئيسيًا في فريق نمو Facebook، ثم أسس شركة رأس مال مخاطر تسمى Social Capital، واستثمر في العديد من الشركات التقنية الناجحة. عندما يخبرك شخص كهذا أن معظم ما كان يسعى إليه خلال الثلاثين سنة الماضية كان خطأ، ماذا ستفكر؟ لأول مرة سمعت هذا الرأي، كان داخلي يقاوم. لأنه يتحدى تمامًا المبادئ التي تربينا عليها منذ الصغر حول النجاح. علمونا أن نحدد أهدافًا، ونضع خططًا، ونحقق معالم خطوة خطوة. لكن Chamath يقول إن هذا التفكير ذاته هو المشكلة.
أول نقطة مركزية طرحها Chamath جعلتني أفكر طويلاً: أنت لا يمكنك التوقف أبدًا. يبدو الأمر غريبًا، لكنه شرح أن معظم الناس يحددون حياتهم على أنها سلسلة من الأهداف. والمشكلة في الأهداف أن، عندما تحقق الكثير منها، ستعتقد أن “لقد نجحت، يمكنني التوقف”. هذا التفكير يسبب فقدان الحافز، ويجعل الإنسان يفقد سبب الاستمرار في التقدم.
أنا أدرك تمامًا هذا الشعور. في مرحلة من حياتي المهنية، عندما أنجزت بعض الأهداف التي وضعتها لنفسي، شعرت بفراغ داخلي. ذلك الشعور بـ"وماذا بعد؟" من الحيرة، يجعل الإنسان لا يعرف ما الخطوة التالية. لاحظ Chamath أن الكثير من الأشخاص الذين كانوا يحترمهم، توقفوا عند سن الخمسين تقريبًا. لم يعودوا نشطين في مجالاتهم، ولم يواصلوا تحدي أنفسهم، ولم يتعلموا أشياء جديدة. وقال، “هم لم يعودوا في الساحة.”
وعلى العكس، ذكر مثال وارن بافيت (Buffett). بافيت لا يزال يعمل حتى عمر 95 عامًا، وبدأ يتراجع مؤخرًا فقط. وكذلك تشارلي مانجر (Charlie Munger)، الذي توفي وهو لا يزال في منصبه. ما المشترك بين هؤلاء؟ هم لا يركزون على تحقيق أهداف محددة، بل يركزون على التعلم المستمر، والمغامرة الدائمة، والتواصل مع أشخاص مثيرين للاهتمام. هذه الحالة الذهنية هي التي تحافظ على حيويتهم وذكائهم.
هذا الرأي جعلني أعيد تقييم خططي المهنية. في الماضي، كنت أضع أهدافًا محددة: أن أبلغ منصبًا معينًا في عمر معين، أو أن أحقق دخلًا معينًا، أو أن أحقق نوعًا من الحرية المالية. لكن الآن أدرك أن هذه الأهداف قد تكون ضارة. لأنها بمجرد تحقيقها، تفقد الدافع للاستمرار. وإذا ركزت على العملية — التعلم المستمر، والنمو، وتحدي النفس — فلن تتوقف أبدًا.
Chamath يقول إنه لو أخبره أحد بهذه الحكمة في وقت مبكر، لكان اتخذ قرارات مختلفة تمامًا. كان ليقلل من التركيز على المال، ويتحمل مخاطر أكثر، حتى أكثر مما فعل في شبابه. هذه الكلمة مثيرة جدًا لأنها تكشف عن حقيقة غير معتادة: النجاح الحقيقي لا يتحقق من خلال تحسين الأهداف قصيرة المدى، بل من خلال الالتزام المستمر بالعملية على المدى الطويل.
إذا أردت التخلي عن حياة الهدف، واحتضان حياة العملية، يعتقد Chamath أنه يجب عليك وضع بعض الشروط الحدودية (boundary conditions). هذه الشروط ليست أهدافًا، بل مبادئ، هي الخطوط الحمراء التي لا يمكنك تجاوزها في أي ظرف. وضع ثلاثة شروط محددة، كل واحد منها أثر فيّ بعمق.
أول شرط هو: عدم وجود ديون. يبدو بسيطًا، لكن Chamath شرح أن الديون شيء يوقفك عن التقدم. تضعف قدرتك على التعلم، وتمنعك من المغامرة، وتجعلك تركز على الأهداف قصيرة المدى، وأوضح مثال هو السعي وراء المال. كل تحسيناتك القصيرة المدى تؤثر على مستقبلك لعشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة.
أنا أتفق تمامًا مع هذا الرأي. الديون ليست عبئًا ماليًا فحسب، بل هي قيد نفسي أيضًا. عندما تكون مثقلًا بالديون، تتغير قراراتك. قد تتخلى عن فرصة مثيرة ولكنها منخفضة الدخل، وتختار وظيفة مملة ولكنها ذات راتب مرتفع، فقط لأنك بحاجة لسداد الديون. قد تبقى في شركة لا تحبها لفترة أطول، لأنك بحاجة إلى تدفق نقدي ثابت. الديون تسرق منك حرية الاختيار، وحرية الاختيار هي أساس العيش في العملية.
ذكر Chamath ظاهرة خطيرة، خاصة على الجيل الشاب: يقضي الكثير من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي، يشاهدون أشخاصًا يكذبون ويخدعون، ويعرضون حياة مزيفة. الكثير من الناس يصدقون أن تلك الحياة هي الحقيقة، ويبدأون في السعي وراءها. وكل ذلك يدور حول المال. لم يُمدح أحد لأنه يكرس حياته للعملية، بل دائمًا يُمدح من يحقق نجاحات خارجية. ربما Kobe Bryant (كوبي براينت) استثناء، لكنه رحل عن عالمنا.
هذه الفكرة تذكرني بمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي من صور فاخرة، سيارات فارهة، رحلات فاخرة، التي تثير رغبة الشراء عند الشباب. كثيرون يقترضون لعيش هذا النمط، ويستنزفون مستقبلهم. لكن في الواقع، كثير من هؤلاء الذين يظهرون حياة فاخرة على الإنترنت، هم في الحقيقة مثقلون بالديون، أو حياتهم ليست كما تبدو. السعي وراء حياة زائفة كهذه، في النهاية، يوقعك في فخ الديون، ويمنعك من التركيز على ما هو أهم.
الشرط الثاني هو: إدارة حياتك بتواضع. قال Chamath إنه تعلم هذه الدرس بعد وقت طويل. ماذا يعني التواضع؟ يعني أن تكون صادقًا جدًا مع واقعك اليومي. فقط بذلك يمكنك رؤية الأمور بوضوح، ومشاركة الحقيقة مع الآخرين، وبناء علاقات حقيقية.
هذا الرأي أثر فيّ. التواضع ليس تقليلًا من الذات، بل تقييم قدراتك وقيودك بصدق. في ريادة الأعمال والعمل، رأيت الكثير من الفشل بسبب نقص التواضع. بعض الأشخاص يثقون جدًا بأنفسهم، ويرفضون الاعتراف بأخطائهم، ويصلون لطريق مسدود. آخرون يخافون من إظهار ضعفهم، ويحاولون دائمًا أن يظهروا بمظهر كامل، ويفقدون فرصة التواصل الحقيقي مع الآخرين. التواضع الحقيقي هو الاعتراف بـ"لا أعلم"، والتعلم، والاعتراف بـ"لقد أخطأت".
الشرط الثالث هو: أن تحيط نفسك بأشخاص أصغر منك سنًا. قال Chamath إن نظرة الشباب للعالم تختلف تمامًا. لديهم تحاملات مختلفة، وأطر فكرية مختلفة. رغم أنه أحيانًا يشعر أنه تعلم الكثير، وأنه لا يحتاج أن يُعلم، إلا أن الحقيقة أن قضاء الوقت مع الشباب يجعله يدرك أن معرفته محصورة في زمن معين.
هذه ملاحظة عميقة جدًا. مع مرور الوقت، معارفنا وخبراتنا تصبح قديمة. ما كان صحيحًا اليوم، قد يتغير غدًا. ما هو فعال الآن، قد يتوقف غدًا. الشباب هم بمثابة نظام إنذار مبكر للمستقبل، يساعدونك على رؤية كيف يتغير العالم. قال Chamath إنه في مرحلة معينة، كان يعتقد أن الأمور يجب أن تسير بطريقة معينة، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا. هذا الإدراك يتطلب شجاعة، لأنه يعني الاعتراف بأن معرفتك أصبحت قديمة.
أنا أيضًا مررت بتجارب مماثلة. عندما أتناقش مع أشخاص أصغر مني بعشر سنوات، أُفاجأ بآرائهم. فهم التكنولوجيا، واستخدام وسائل التواصل، وتبني نماذج أعمال جديدة، يتجاوز توقعاتي. إذا تمسكت بمعرفتي القديمة، ورفضت الاستماع إليهم، فسوف أُصبح متحجرًا ومتأخرًا.
اعترف Chamath أنه كان يسعى وراء أهداف “غبية”. عندما كان مديرًا، كان يريد أن يصبح نائبًا للرئيس. عندما أصبح نائبًا، كان يطمح أن يكون رئيسًا للمسؤولين. وعندما وصل إلى ذلك، كان يطمح أن يكون مسؤولًا في شركة رأس مال مخاطر، ثم شريكًا عامًا. في Facebook، كان جزءًا من فريق الإدارة، وكان يطمح لامتلاك المزيد من الأسهم. كلها أهداف غبية.
هذه الاعترافات صدمتني. لأنها تبدو غير غبية على الإطلاق. فهي أهداف يطمح إليها معظم العاملين. من مدير إلى نائب، ومن موظف إلى شريك، ومن إدارة إلى ملكية أسهم أكبر، أليس هذا هو المسار الذي علمونا أن نتابعه؟ لكن Chamath يقول إن هذه الأهداف الغبية أبعدته عن ذاته الحقيقية 100%. جعلته نسخة كرتونية من نفسه، يضخم بعض جوانبه الصغيرة، ويجعلها تمثل ذاته الأكبر. وليس فقط هو، بل من حوله أيضًا.
فهمت ما يقصده. عندما تسعى وراء تلك الأهداف الخارجية، تتغير سلوكياتك بشكل غير واعٍ، لتتوافق مع الصورة التي تريد أن تظهر عليها. قد تكبت بعض صفاتك، وتبرز أخرى، لأنك تعتقد أن ذلك سيساعدك على تحقيق الأهداف. لكن خلال هذا، تفقد نفسك تدريجيًا. تصبح نسخة مشوهة من نفسك، تسعى لتحقيق أهدافك، بدل أن تكون أنت الحقيقي والكامل.
اعترف Chamath أن كل ما يقوله يمكن أن يتعلمه الإنسان مع الوقت. كل من في الأربعين والخمسين من عمره يوافق على كلامه، لكن من في العشرينات والثلاثينات يظن أن “هذا لا يناسبني”. لذلك، لديك خياران: الطريق السهل أو الطريق الصعب. الطريق السهل هو أن تفعل بعض الأمور البسيطة، والطريق الصعب هو أن تقضي 30 سنة تتعلم هذا الدرس بنفسك.
ذكرني هذا بمفارقة قديمة: في شبابك، تملك الوقت والطاقة، لكن تفتقر إلى الحكمة والخبرة؛ وفي الشيخوخة، تملك الحكمة والخبرة، لكن تفقد الوقت والطاقة. لو استطعنا أن نفهم هذه المبادئ في شبابنا، لوفّرنا الكثير من الوقت والجهد. لكن الحقيقة أن بعض الدروس لا تُفهم إلا من خلال التجربة الشخصية. مجرد الاستماع لا يكفي.
واحدة من أهم المبادئ التي طرحها Chamath هي: أن تحافظ على خيارك (optionalité) بأي ثمن. قال إنه يسعى في الأعمال التجارية للحفاظ على خياراته، وفي التفاوض، يحاول دائمًا أن يظل لديه خيارات. البحث عن مساحة تربح الطرفين هو شيء قوي جدًا، ويفيده كثيرًا.
مفهوم الخيار هو أن تظل لديك مساحة للاختيار، وألا تُحصر في مسار واحد. عندما تملك خيارات، يمكنك التكيف مع الظروف. عندما يظهر فرصة غير مناسبة، ترفضها. وعندما تظهر فرصة أفضل، تلتقطها على الفور. وإذا فقدت خياراتك، فستجد نفسك محصورًا. عليك أن تقبل بالخيارات الحالية، حتى لو لم تكن الأفضل.
شرح Chamath أن الحفاظ على الخيارات يحمي العلاقات، ويحمي كرامة الآخرين، ويعزز من احترامهم. يجعله أكثر ضبطًا، ويستمع أكثر، ويتحدث أقل. أثبتت التجربة أن الكثير من الناس يدمرون أنفسهم بأفعال غبية، لكن هذا الإطار يساعده على تجنب ذلك قدر الإمكان.
أنا أؤمن تمامًا بهذا الرأي. في مسيرتي، القرارات التي حافظت فيها على خياراتي دائمًا كانت نتائجها أفضل. مثلاً، رفضت وظيفة ذات راتب مرتفع لكن تتطلب عقدًا طويل الأمد، وفضلت فرصة مرنة وأقل دخلًا. بعد شهور، ظهرت فرصة أفضل، واستطعت أن أستغلها لأنني لم أكن مقيدًا بعقد. أما الذين قبلوا بعقد طويل، ففقدوا تلك الفرصة.
الديون هي العدو الأكبر للخيارية. عندما تكون مثقلًا بالديون، عليك أن تسدد الأقساط، ويعني ذلك أن لديك حاجة لدخل ثابت. هذا يقيد خياراتك. قد تضطر لقبول وظيفة لا تحبها، فقط لأنها توفر استقرارًا ماليًا. وإذا لم تكن لديك ديون، فلك الحرية في الاستكشاف والمغامرة والسعي وراء الفرص التي قد لا تدرّ عليك مالًا الآن، لكنها ذات قيمة طويلة الأمد.
شارك Chamath فكرة أعمق، وهي أن الحياة، لو كانت لعبة، فهي مليئة بالأسرار التي تُكشف عندما تصل إلى مستوى معين. قال إنه في عمر 50، بدأ يرى أن هذه الأسرار تظهر له، وأنه لو كان أدركها في شبابه، لكان وفّر الكثير من الوقت والجهد. لكنه أدرك أن معظم الناس يتجاهلونها، وأن التجربة الشخصية هي التي تُعلمك أكثر.
هذه المقارنة جميلة جدًا. الحياة كأنها لعبة، وبعض الأسرار تُفتح فقط بعد أن تصل إلى مستوى معين. لكن، من المفارقات، أن عندما تدركها، قد تكون قد فاتك الفرصة للاستفادة منها بشكل كامل. لذلك، من المهم أن نستمع لنصائح من سبقونا، حتى لو لم نفهمها تمامًا في البداية.
عندما يتحدث عن العلاقات، شارك Chamath أهم درس تعلمه: أن تتزوج من شخص يدعمك بنسبة 100%، والطريقة الوحيدة لذلك هي أن تكون صادقًا تمامًا.
اعترف أن الصدق صعب على الكثيرين، وهو شيء لا يجيده دائمًا. هو يشارك معظم أفكاره، لكنه لا يشارك كل شيء. هذه طريقة تعلمها في حياته الأسرية. لكن إذا لم تتعلم هذا الدرس، فسيؤذيك في النهاية.
قال إن وجود شريك يدعمك ويقف بجانبك أمر حيوي. مرّ بتجربة طلاق، وقال إن الأمر كان كأنه فقدان أحد أفراد عائلته. في زواجه الأول، كان يفتقر إلى الصراحة المطلقة. كان يفتقد الصراحة المطلقة، ويحتاج أن يكون صادقًا تمامًا، سواء في الأفراح أو الأحزان. عندما يكون هناك شيء غير جيد، يجب أن يُقال، ويجب أن يُوضح. لم يفعل ذلك في زواجه الأول، ونتيجة ذلك، تراكمت المشاكل. في زواجه الثاني، أصبح الأمر مختلفًا تمامًا، واعتبره نعمة.
هذه الفكرة تذكرني بكثير من العلاقات الزوجية أو الشراكات. كثيرون يعتقدون أن إخفاء بعض الحقائق أو التظاهر بالمثالية هو حماية للطرف الآخر أو للحفاظ على السلام. لكن خبرة Chamath تقول إن غياب الصراحة المطلقة هو قنبلة موقوتة. المشاكل الصغيرة التي لم تُعالج تتراكم، وتتحول إلى مشاكل كبيرة. سوء الفهم يتفاقم، ويؤدي إلى الكراهية.
الصراحة المطلقة تعني أن تقول عندما تشعر بعدم الارتياح، وأن تعترف عندما تخطئ، وأن تكون صريحًا عندما تخاف. يتطلب ذلك شجاعة كبيرة، لأن الصراحة تجعل الإنسان عرضة للضعف. لكن، من خلال هذا الضعف، يمكن بناء علاقات عميقة وواقعية. عندما يعرف الطرف الآخر حقيقتك، بما في ذلك نقاط ضعفك ومخاوفك، يمكنه أن يدعمك بشكل حقيقي.
وفي العمل، الأمر ذاته. الشراكات الأكثر نجاحًا تعتمد على الصراحة المطلقة. عندما تتحدث بصراحة عن خلافاتك، وتعتذر عند الخطأ، وتشارك مخاوفك، فإنكم تتجاوزون التحديات معًا، وتتخذون قرارات أفضل.
قدم Chamath نصائح محددة للشباب الطموحين. أولها، وهو الأهم، أن تذهب إلى Broadway (المسرح الرئيسي). شرح أن الأمر يعتمد على ما تريد أن تفعله. إذا كنت تريد أن تدخل السياسة، فعليك أن تذهب إلى واشنطن. قد يتطلب الأمر تحويلات، ربما تبدأ من عاصمة الولاية، ثم تتجه إلى العاصمة الفيدرالية. إذا كنت تريد العمل في التمويل، فاذهب إلى نيويورك أو لندن. إذا كنت تريد العمل في العملات الرقمية، فربما تحتاج إلى أبوظبي. وإذا كنت تريد العمل في التكنولوجيا، فببساطة، عليك أن تذهب إلى Silicon Valley. لا توجد طرق مختصرة هنا.
هذه النصيحة تبدو بسيطة، لكن تنفيذها يتطلب شجاعة. يعني أن تترك بلدك، وتترك منطقتك المريحة، وتذهب إلى مكان غريب وتبدأ من جديد. لكن، يقول Chamath، عليك أن تذهب إلى المكان الذي يوجد فيه الكثير من الأسماك. إذا أردت أن تصطاد سمكة كبيرة، لا يمكنك أن تبقى في بركة صغيرة.
أنا أؤمن تمامًا بهذا الرأي. الموقع الجغرافي يؤثر بشكل كبير على مسارك المهني. في المكان المناسب، ستلتقي بالأشخاص المناسبين، وتتعرض للفرص المناسبة، وتتعلم الأشياء الصحيحة. في Silicon Valley، ستجد رواد أعمال ومستثمرين، وستتلقى ثقافة ريادة الأعمال بشكل طبيعي. في نيويورك، ستختلط مع نخبة التمويل والإعلام. وإذا بقيت في مكان لا يتوافق مع أهدافك، ستفوت الكثير من الفرص.
نصيحة Chamath الثانية هي: لا تسعَ لتحسين راتبك فقط. لهذا السبب، عليك أن تعيش بتواضع. يجب أن تسعى لتحسين الفرص، وليس الراتب فقط. عندما تتاح لك فرصة للعمل مع شخص أذكى منك، وتبدو كأنها فرصة قفز إلى القمر، فاقتنصها. إذا انتظرت، ووضعت مئات الأعذار، فستخسر. وفي النهاية، ستنظر إلى الوراء وتندم، لأنك سمحت للأمور التافهة أن تعيقك.
هذه النصيحة تتناقض تمامًا مع ما تعلمناه منذ الصغر. علمونا أن نطالب بأعلى راتب، ونفاوض على قيمتنا. لكن Chamath يقول إن في بداية مسيرتك، الأهم هو التعلم والنمو، وليس الراتب. وظيفة منخفضة الأجر، تتيح لك النمو بسرعة، أفضل من وظيفة عالية الأجر، تضعك في مكان ثابت.
ذكر Chamath أن الشباب يتحدثون كثيرًا عن توازن العمل والحياة. قال إنه لا يفهم تمامًا هذا المفهوم. عندما تكون في حالة تدفق (flow) أو حالة ذات هدف، فإنك تعمل وتعيش بطريقة تعطيك إحساسًا بالهدف. تدمج العمل والحياة، وتجعلهما جزءًا من ذاتك. هذا هو المطلوب. أنت في عملية مستمرة، تضيف إلى حياتك أشياء تجعلك أفضل.
قد يثير هذا الرأي جدلاً، لكني أراه منطقيًا. التوازن الحقيقي بين العمل والحياة ليس أن تفصل بينهما تمامًا، وتعمل 8 ساعات ثم تنقطع. بل أن تجد طريقة تجعل العمل جزءًا من حياتك ذات المعنى، بحيث تحب ما تفعله، ويمنحك إحساسًا بالإنجاز. عندما تكون شغوفًا بعملك، ويعكس قيمك، فإن الحدود بين العمل والحياة تصبح غير واضحة، لكنها ليست مشكلة، بل ميزة.
شارك Chamath تجربة مثيرة. قال إن العلماء وضعوا فأرًا في حوض مملوء بالماء، وقيّموا كم من الوقت يحتاج ليغرق. في المتوسط، حوالي 4.5 دقائق. ثم أعادوا التجربة، لكن قبل أن يغرق الفأر، بنحو 30 ثانية، أخرجوه، وراحوه، وطمأنوه، ثم أعادوه إلى الماء. هذه المرة، استطاع البقاء لمدة 60 ساعة.
ما الفرق بين فأر غرق بعد 4 دقائق، وآخر بقي 60 ساعة؟ لا شيء واضح، إلا في الدماغ. هو الذي يطلق العنان لقدرة التحمل والبقاء. هذا هو الدرس: أن تجد مكانًا يفتح عينيك على أعماق دماغك، ويكشف عن قدراتك التي تظن أنك لا تملكها.
هذه التجربة أثرت فيّ بعمق. ما الذي تعلمه الفأر الثاني؟ أنه لن يُترك وحده، وأن هناك أملًا في النجاة. الأمل زاد من قدرته على البقاء بنسبة تقارب 800%. هذا يخبرنا أن إمكانيات الإنسان تتجاوز بكثير ما نتصور. عندما نؤمن أن هناك فرصة، ونتمسك بالأمل، نستطيع أن نفعل المستحيل.
قال Chamath إن Navy Seals (وحدات العمليات الخاصة) يتحدثون عن هذا، والرياضيون يتحدثون عنه. لكن في عالم الأعمال، الأمر المدهش أن لا أحد يحدد عمرًا معينًا لمهاراته. على عكس الرياضيين، يمكن للإنسان أن يواصل التحدي طوال حياته. حتى عمر 60 أو 70، يمكن أن يبدع ويبتكر. كما فعل وارن بافيت وشارلي مانجر، الذين يواصلون العمل والإنتاج. هذه الخاصية تجعل من عالم الأعمال مسرحًا للتعلم المستمر والنمو مدى الحياة.
أكثر ما يثير دهشة Chamath هو رأيه حول المكانة الاجتماعية (status). قال إن كل ما يقال عنها، هو أنها من صنع الإنسان، وأنها غير ذات علاقة حقيقية بك. هي أداة يستخدمها الناس لخداع أنفسهم، ولإضاعة الوقت الثمين. إذا أدركت ذلك، يمكنك أن تتجاهل كل محاولات المجتمع لإعطائك مكانة.
لماذا؟ لأن المجتمع يضع فيك خطافًا صغيرًا، يربطك به. إذا بدأت تصدق أن تلك المكانة حقيقية، وأنها تُمنح لك من الآخرين، فستبدأ في السعي وراءها. ستتغير سلوكياتك، وتكذب على نفسك، وتبني صورة زائفة عن ذاتك. وكلما سعيت وراء المزيد من تلك المكانة، أصبحت أسيرًا في أيدي من لا يهتمون بمصلحتك الحقيقية.
قال إن تعلم ذلك هو أحد الدروس الصعبة، لأنه كان يطارد أشياء كثيرة يعتقد أنها مهمة، مثل أن يكون في قائمة معينة، أو أن يُدعى لمناسبات خاصة، أو أن ينضم إلى نوادٍ حصرية. لكنه أدرك أن كل ذلك مجرد أوهام، وأنها لا قيمة لها. هو يختار الآن أن يركز على ما يهم حقًا، وأن يبتعد عن تلك الأوهام.
هذا الرأي جعلني أفكر كثيرًا. مجتمعاتنا مليئة برموز المكانة: شهادات جامعية مرموقة، مناصب عالية، سيارات فاخرة، نوادٍ حصرية. يُعلموننا أن نطاردها، لأنها تعبر عن النجاح. لكن Chamath يقول إن كل ذلك فخ، وأنه يعيقك عن أن تكون أنت الحقيقي. عندما تركز على تلك الرموز، تتغير سلوكياتك، وتتصرف بطريقة تتوافق مع الصورة التي تريد أن تظهر عليها، حتى لو كانت غير حقيقية.
أنا أعمل على أن أكون أقل اهتمامًا بالمظاهر، وأركز على ما يهمني حقًا. عندما تتخلص من عبء المكانة، ستشعر بحرية أكبر، وتكون أكثر صدقًا مع نفسك ومع الآخرين. ستختار أن تتبع شغفك، وتعمل على مشاريع ذات معنى، بدلاً من أن تسعى وراء الألقاب والأوسمة.
هذه هي الأفكار التي غيرت نظرتي للحياة والعمل. لقد أدركت أن النجاح الحقيقي لا يقاس بالمظاهر، بل بالعمق، والنمو المستمر، والصدق، والحرية في الاختيار. إذا استطاع الناس أن يعيشوا وفقًا لهذه المبادئ، فسيكون العالم مكانًا أفضل، حيث يسعى الإنسان لتحقيق ذاته، لا أن يلاحق أوهام المجتمع.