
التحالف الحاكم بقيادة ساانيه تاشيماي يحقق أغلبية فائقة تتجاوز ثلثي مقاعد مجلس النواب، مما يمثل تحولاً تاريخياً في المشهد السياسي الياباني. السوق يراهن على أن تداول تاشيماي سيدفع نحو سياسة مالية توسعية، حيث تضعف قيمة الين مقابل الدولار إلى نطاق 157.50، وتستفيد سوق الأسهم اليابانية من فوائد السياسات وتحقق ارتفاعات قوية، في حين يضغط سوق السندات بسبب توقعات التوسع المالي. هذا الفوز لا يعزز فقط موقع تاشيماي في الحكم، بل يشير أيضاً إلى توجه اليابان نحو اقتصاد يعتمد على اقتراض واسع النطاق لتمويل الإنفاق العام.
حصلت تاشيماي على أغلبية فائقة، مما أزال العقبات السياسية أمام حزم التحفيز المالي الضخمة. في النظام البرلماني الياباني، أكثر من ثلثي المقاعد يعني أن الحزب الحاكم يمكنه، في حال رفض مجلس الشيوخ، تمرير القوانين عبر أغلبية الثلثين في مجلس النواب بالقوة. هذا الهيكل السياسي يمنح حكومة تاشيماي قدرة غير مسبوقة على دفع السياسات، مما يمكنها من تنفيذ حزم تحفيزية جريئة دون الحاجة إلى الكثير من التنازلات.
المنطق الأساسي لتداول تاشيماي يعتمد على توقعات بسياسات توسعية. السوق يعتقد أن الحكومة ستقوم بتمويل الإنفاق العام الضخم من خلال إصدار ديون، بما يشمل البنية التحتية، وتحديث الدفاع، ودعم الابتكار التكنولوجي، وتوسيع الرفاه الاجتماعي. هذا المزيج من السياسات يشبه “اقتصاد آبي” الراحل، لكن بحجم وقوة أكبر.
هذه السياسات التوسعية لا ترفع فقط من عبء الدين الياباني الثقيل أصلاً، بل تؤثر أيضاً بشكل منهجي على سعر الصرف، والسندات، والأسهم. نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي تجاوزت 250%، وهي الأعلى بين الدول المتقدمة. في ظل هذا الوضع، فإن التوسع المالي الإضافي يثير مخاوف السوق بشأن استدامة الدين، ويخلق في الوقت ذاته تأثيرات تحفيزية قصيرة الأمد على الاقتصاد.
يمكن تلخيص تأثيرات سوق تاشيماي على النحو التالي: زيادة العجز المالي تؤدي إلى زيادة عرض السندات الحكومية، مما يرفع عائدات السندات ويخفض أسعارها؛ مزيج التسهيل النقدي والسياسات المالية التوسعية يضعف الين؛ وزيادة السيولة وتحسن توقعات أرباح الشركات يدفعان الأسهم للارتفاع. تظهر هذه الآثار فور إعلان نتائج الانتخابات.
بعد إعلان النتائج، انخفض سعر صرف الين مقابل الدولار إلى نطاق 157.50، منخفضاً حوالي 0.5% عن مستوى ما قبل الانتخابات. هذا الانخفاض يعكس تقييم السوق الفوري لتداول تاشيماي: السياسات التوسعية تعني إصدار المزيد من السندات، وبنك اليابان قد يضطر إلى الحفاظ على سياسته التيسيرية لدعم تمويل الحكومة، مما يضع ضغطاً على قيمة الين.
رغم أن ضعف الين يفيد الشركات المصدرة (لأنه يعزز تنافسية منتجات اليابان عالمياً)، إلا أنه يجلب معه آثاراً سلبية متعددة. أولاً، ارتفاع تكاليف الواردات يرفع التضخم المحلي ويقوض قدرة المستهلكين الشرائية. ثانياً، انخفاض قيمة الين قد يؤدي إلى تدفقات رأس المال الخارجة، حيث تنخفض قيمة الأصول المقومة بالين التي يملكها المستثمرون الأجانب. ثالثاً، قد يؤدي التراجع المفرط في قيمة الين إلى اتهامات دولية لليابان بالتلاعب في سعر الصرف.
المستثمرون يراقبون عن كثب ما إذا كانت السلطات اليابانية ستقوم بـ"تدخل في سوق الصرف". اليابان، عبر وزارة المالية والبنك المركزي، تدخلت سابقاً مرات عدة عندما تراجع الين بسرعة، من خلال بيع الدولار وشراء الين لدعم سعر الصرف. لكن في إطار تداول تاشيماي، قد تكون فعالية التدخل محدودة، إذ يتوقع السوق أن التغييرات ستكون هيكلية وليست مؤقتة.
حالياً، يُنظر إلى مستوى 158.00 على أنه نقطة نفسية رئيسية قد تثير تدخلات رسمية. إذا استمر تراجع الين وتجاوز هذا المستوى، قد نشهد تدخلات لفظية أو عمليات شراء فعلية للين من قبل السلطات. ومع ذلك، نظراً لميول حكومة تاشيماي نحو ضعف الين لدعم الصادرات وتحقيق أهداف التضخم، فإن احتمالية التدخل الكبير منخفضة نسبياً.
مستفيدو الصادرات: تويوتا، سوني وغيرها من الشركات متعددة الجنسيات ستستفيد من زيادة قيمة إيراداتها بالين عند تحويلها للخارج
ارتفاع تكاليف الواردات: ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام يضغط على أرباح الشركات
ضغوط التضخم: ارتفاع أسعار الواردات ينقل التضخم إلى المستهلكين، ويقوض القوة الشرائية
مخاطر خروج رأس المال: انخفاض قيمة الأصول المقومة بالين قد يدفع المستثمرين الأجانب للخروج من السوق الياباني
تخفيف عبء الدين: انخفاض القيمة الفعلية للدين المقوم بالين
بفضل استمرارية السياسات وتوقعات التحفيز، تظهر أسواق الأسهم اليابانية والأسيوية أداءً قوياً في ظل مزاج مخاطرة مرتفع (Risk-on). تداول تاشيماي يعكس تفاؤلاً المستثمرين ببيئة أسعار فائدة منخفضة ودعم مالي. مؤشر نيكاي 225 ارتفع بأكثر من 2% في يوم التداول بعد الانتخابات، وحقق مؤشر توميو أيضًا مستويات جديدة، مما يدل على ثقة السوق بسياسات الحكومة الاقتصادية.
لكن هذا الارتفاع لا يشمل جميع القطاعات بشكل متساوٍ. تدفقات الأموال تظهر تحولاً هيكلياً، مع تفضيل المستثمرين من الأسهم ذات التقييمات العالية إلى الأسهم الدورية والقيادية. البنوك، شركات البناء، والصناعات التحويلية أصبحت من المستفيدين الرئيسيين، لأنها تتلقى دعماً مباشراً من التوسع المالي والاستثمار في البنية التحتية.
صعود الأسهم الدورية يعكس توقعات المستثمرين بنمو الاقتصاد الحقيقي. إذا أطلقت الحكومة مشاريع بنية تحتية ضخمة، ستستفيد شركات المقاولات من العقود الحكومية؛ وإذا زادت الشركات استثماراتها، ستستفيد شركات المعدات الصناعية؛ وإذا أدى النمو الاقتصادي إلى زيادة الطلب على الائتمان، ستوسع البنوك إقراضها. كلها مسارات تقليدية لانتقال السياسات المالية.
رغم أن الاقتصاد الكلي لا يخلو من عدم اليقين (بما يشمل تباطؤ النمو العالمي والمخاطر الجيوسياسية)، فإن تفوق الحزب الحاكم يمنح السوق نوعاً من اليقين السياسي على المدى القصير، مما يدعم تقييم الأصول. في الأسواق المالية، عدم اليقين السياسي غالباً ما يكون من أكبر المخاطر. تداول تاشيماي أزال هذا الغموض، على الأقل لسنوات قادمة، حيث يعرف السوق أن اليابان ستتبع مسار التوسع المالي.
لكن الأداء القوي للأسهم يثير أيضاً مخاوف من ارتفاع التقييمات بشكل مفرط. إذا لم تؤدِ السياسات المالية إلى تحفيز الاقتصاد كما هو متوقع، أو إذا ظهرت أزمة ديون، فقد تتراجع المعنويات بسرعة. على المستثمرين مراقبة تنفيذ السياسات الفعلية للحكومة، وليس فقط وعود الانتخابات.
في إطار تداول تاشيماي، يواجه سوق السندات ضغوطاً واضحة. مع توقع الحكومة زيادة الإنفاق، قد يرتفع عرض السندات الحكومية، مما يدفع عائدات السندات اليابانية (JGB) للارتفاع. خلال التداول بعد الانتخابات، ارتفعت عائدات سندات 10 سنوات اليابانية حوالي 5 نقاط أساس إلى 1.35%، رغم أن الارتفاع محدود، إلا أنه يعكس بوضوح قلق السوق من زيادة العرض.
هذا البيع في السندات (انخفاض الأسعار وارتفاع العائدات) يعكس مخاوف المستثمرين بشأن استدامة الدين العام. المستثمرون يقلقون من أن غياب خطة واضحة لإدارة الدين قد يهدد استدامة الدين الياباني، الذي يتجاوز نسبة 250% من الناتج المحلي الإجمالي. إذا زادت الحكومة من الإنفاق بمئات المليارات من الين، قد تتجاوز النسبة 260% أو 270%.
الضغوط على سوق السندات تحد من قدرة البنك المركزي الياباني (BOJ) على التحول نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً. نظرياً، قد يرغب البنك في الخروج التدريجي من التسهيل الكمي ورفع الفائدة لمواجهة التضخم، لكن في ظل زيادة إصدار الديون، رفع الفائدة سيزيد من أعباء الفوائد على الحكومة، وهو أمر غير محتمل على المدى القصير. لذلك، قد يضطر البنك المركزي إلى الاستمرار في سياسته التيسيرية.
هذه الحالة، التي تسمى “السيطرة المالية” (Fiscal Dominance)، تمثل أكبر مخاطر محتملة لتداول تاشيماي. عندما تكون السياسة النقدية خاضعة تماماً للسياسة المالية، يفقد البنك المركزي استقلاليته ومرونته. وإذا خرج التضخم عن السيطرة أو حدثت أزمة مالية، فإن أدوات السياسة ستكون محدودة. تاريخياً، غالباً ما تكون السيطرة المالية مقدمة لأزمات ديون السيادة.
الفارق في العائد بين سندات اليابان والأوراق الأمريكية (الفرق في العائد) يظل مصدر قلق. حالياً، عائد سندات 10 سنوات في الولايات المتحدة حوالي 4.5%، مقابل 1.35% في اليابان، بفارق يزيد عن 300 نقطة أساس. هذا الفرق الكبير يجذب رؤوس الأموال من اليابان إلى أمريكا، مما يضغط على الين أكثر. في ظل استمرار تداول تاشيماي، من غير المتوقع أن يتقلص هذا الفرق بشكل كبير على المدى القصير.
إلى جانب العوامل الداخلية اليابانية، يتأثر تداول تاشيماي أيضاً بالسياق الكلي العالمي. البيانات الأمريكية المنتظرة هذا الأسبوع، مثل تقرير الوظائف غير الزراعية والتضخم، ستحدد مسار رفع أو خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي (Fed). السوق يعتقد أن احتمالية خفض الفائدة الشهر القادم أقل من 20%، مما يعني أن قوة الدولار قد تستمر. في ظل تشابك السيولة العالمية والتوسع المالي الياباني، ستواجه العملات وتدفقات رأس المال تفاعلات معقدة عبر الحدود.
إذا أظهرت البيانات الأمريكية أداءً قوياً، قد يواصل الفيدرالي رفع الفائدة، مما يدعم الدولار ويزيد من ضغطه على الين. وإذا أظهرت البيانات تباطؤاً، قد يسرع الفيدرالي في خفض الفائدة، مما يقلل من الفارق مع اليابان ويخفف ضغط تراجع الين. استمرار تداول تاشيماي يعتمد بشكل كبير على هذا المشهد الكلي العالمي.
أسواق السلع الأساسية تعكس أيضاً هذا التفاعل. أسعار الذهب ترتفع كملاذ آمن، حيث يراها المستثمرون وسيلة للتحوط من مخاطر الديون وتدهور العملة. أسعار الطاقة تتراجع نتيجة تهدئة التوترات الجيوسياسية، مع تقليل التوتر في الشرق الأوسط، مما يقلل من مخاطر انقطاع الإمدادات. هذه التغيرات في أسعار السلع تؤثر بدورها على تكاليف الواردات اليابانية وتوقعات التضخم.
بشكل عام، يوفر تداول تاشيماي إشارات واضحة للاتجاه السوقي، لكنه يحمل مخاطر كبيرة. على المستثمرين موازنة بين فوائد السياسات ومخاطر الدين، مع مراقبة تنفيذ الحكومة الفعلية، وليس فقط وعود الانتخابات.
مقالات ذات صلة
سيتريني تنشر تقرير نهاية العالم للذكاء الاصطناعي: بيع أسهم البرمجيات، وانخفاض IBM بنسبة 13%
هلع الذكاء الاصطناعي يضرب سوق العملات المشفرة: هبوط جماعي لـ ETH و SOL و XRP، وتزايد التوقعات بالتراجع مع تذبذب BTC في النطاق
أخبار اليوم عن XRP: انخفاض إلى أدنى مستوى خلال ثلاثة أسابيع عند 1.35 دولار، هجوم مزدوج من الذكاء الاصطناعي والرسوم الجمركية السلبيّة
بنك ستاندرد تشارترد يتوقع تأثير العملات المستقرة! وزارة الخزانة الأمريكية قد توقف سندات الخزانة لمدة 30 عامًا لمدة ثلاث سنوات
صندوق ETF الفوري للبيتكوين يتعرض لتدفقات خارجة صافية لمدة خمسة أسابيع على التوالي، مسجلاً أطول فترة خروج منذ بداية عام 2025
متغيرات الرسوم الجمركية وتأثير الذكاء الاصطناعي: تراجع الأسهم الأمريكية وانخفاض البيتكوين إلى 63 ألف دولار